
في تطور تاريخي ينهي سنوات من الجدل والضبابية، وقّعت شركة بايت دانس (ByteDance) الصينية المالكة لتطبيق تيك توك (TikTok)، يوم الخميس 18 ديسمبر، اتفاقيات ملزمة تقضي بتسليم السيطرة على عمليات التطبيق داخل الولايات المتحدة إلى مجموعة من المستثمرين الأمريكيين والدوليين، في مقدمتهم عملاق الحوسبة السحابية أوراكل (Oracle).
وتمثل هذه الصفقة خطوة محورية تهدف إلى تفادي الحظر الأمريكي المحتمل على التطبيق، وإنهاء واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ شركات التكنولوجيا الصينية العاملة في الولايات المتحدة.
صفقة تنهي أزمة بدأت منذ 2020
تُعد هذه الاتفاقية علامة فارقة لتطبيق الفيديو القصير الذي يستخدمه بانتظام أكثر من 170 مليون أمريكي، بعد صراع سياسي وقانوني بدأ في أغسطس 2020، عندما حاول الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب حظر تيك توك بدعوى مخاوف تتعلق بالأمن القومي وإمكانية وصول الحكومة الصينية إلى بيانات المستخدمين الأمريكيين.
ورغم تعثّر محاولات الحظر السابقة، ظل مستقبل تيك توك في الولايات المتحدة معلقًا لسنوات، إلى أن جاءت هذه الصفقة بوصفها حلًا وسطًا يوازن بين المخاوف الأمنية والمصالح الاقتصادية.
تفاصيل الصفقة: ملكية جديدة وهيكل مختلف
بحسب مذكرة داخلية صادرة عن تيك توك (الولايات المتحدة) واطلعت عليها وكالة رويترز، لم يتم الكشف عن القيمة المالية النهائية للصفقة. إلا أن التفاصيل الهيكلية تعكس تغييرات جوهرية في ملكية وإدارة التطبيق داخل السوق الأمريكية.
هيكل الملكية الجديد:
- 80.1%: للمستثمرين الأمريكيين والدوليين
- أوراكل (Oracle)
- Silver Lake
- شركة MGX الإماراتية (مقرها أبوظبي)
- 19.9%: حصة متبقية لشركة بايت دانس الصينية
وسيتم تشغيل التطبيق عبر كيان جديد يحمل اسم:
TikTok USDS Joint Venture LLC
وكان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد صرّح في سبتمبر الماضي بأن قيمة الشركة الأمريكية الجديدة قد تصل إلى 14 مليار دولار، وهو رقم أقل من تقديرات بعض المحللين، دون تأكيد رسمي نهائي حتى الآن.
تفاعل الأسواق: ارتفاع سهم أوراكل
عكست الأسواق المالية ارتياحها للاتفاق، حيث ارتفعت أسهم أوراكل بنحو 6% في تعاملات ما قبل افتتاح السوق يوم الجمعة 19 ديسمبر، في إشارة إلى ثقة المستثمرين بدور الشركة كشريك تقني وأمني رئيسي في الصفقة.
أسئلة مستمرة حول النفوذ الصيني والخوارزمية
رغم الإعلان الرسمي، لا تزال الصفقة تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين الكيان الأمريكي الجديد وشركة بايت دانس الصينية، لا سيما فيما يتعلق بـ:
- ملكية خوارزمية تيك توك
- التحكم في المحتوى
- إدارة البيانات الحساسة
وقال شو زي تشو، الرئيس التنفيذي لتيك توك، إن المشروع المشترك الجديد سيعمل كـ:
“كيان مستقل يتمتع بالسلطة الكاملة لحماية بيانات المستخدمين الأمريكيين، وأمن الخوارزميات، ومراقبة المحتوى، وضمان سلامة البرمجيات”.
وأضاف أن بعض الأنشطة التجارية العالمية، مثل الإعلانات والتجارة الإلكترونية والتسويق، ستظل تُدار من خلال كيانات أمريكية تابعة لبايت دانس ولكن بشكل منفصل عن المشروع المشترك.
دور أوراكل: شريك أمني موثوق
ستلعب شركة أوراكل دورًا محوريًا بصفتها “شريكًا أمنيًا موثوقًا”، حيث ستكون مسؤولة عن:
- تدقيق الامتثال الأمني
- حماية بيانات المستخدمين الأمريكيين
- استضافة البيانات داخل بيئة سحابية آمنة داخل الولايات المتحدة
وأكدت تيك توك أن جميع البيانات الحساسة ستُخزن وتُدار عبر بنية تحتية تشرف عليها أوراكل بشكل كامل.
انتقادات سياسية ومخاوف داخل الكونغرس
أثارت الصفقة انتقادات من بعض أعضاء الكونغرس، أبرزهم السناتور الديمقراطية إليزابيث وارن، التي قالت في تغريدة على منصة “إكس”:
“الأمريكيون يستحقون أن يعرفوا ما إذا كان الرئيس قد أبرم صفقة سرية أخرى تمنح المليارديرات سيطرة أكبر على ما يشاهده الناس”.
وتأتي هذه الانتقادات في ظل العلاقة الوثيقة التي تربط الرئيس ترامب بالملياردير لاري إليسون، الرئيس التنفيذي لشركة أوراكل، والذي يُعد أحد أبرز الداعمين للصفقة.
تيك توك وترامب: علاقة معقدة
المفارقة أن الرئيس ترامب، الذي قاد في السابق محاولات حظر التطبيق، أشاد مؤخرًا بتيك توك لدوره في تعزيز حضوره الانتخابي، حيث يمتلك أكثر من 15 مليون متابع على حسابه الشخصي، كما أطلق البيت الأبيض حسابًا رسميًا على تيك توك في أغسطس الماضي.
خلاصة: نهاية أزمة أم بداية مرحلة جديدة؟
تمثل صفقة تسليم السيطرة على تيك توك في الولايات المتحدة تحولًا جذريًا في العلاقة بين شركات التكنولوجيا الصينية والحكومة الأمريكية. وبينما يرى البعض أنها حل عملي لتخفيف المخاوف الأمنية، يرى آخرون أنها تفتح الباب أمام نفوذ جديد للمليارديرات وشركات التكنولوجيا الكبرى على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع استمرار الأسئلة حول الخوارزمية والبيانات والسيادة الرقمية، يبقى السؤال الأهم:
هل أنهت هذه الصفقة أزمة تيك توك فعليًا… أم أنها مجرد فصل جديد في صراع التكنولوجيا والسياسة؟
