
توصل باحثون أمريكيون إلى نتائج قد تساعد في تفسير أحد أسباب تراجع القوة العضلية مع التقدم في العمر، مشيرين إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بفقدان الكتلة العضلية، بل قد تبدأ أيضاً من خلل في طريقة انتقال الإشارات بين الأعصاب والعضلات.
ووجد الباحثون أن ضعف ما يُعرف بـ”الوصلة العصبية العضلية”، وهي المنطقة التي تنتقل عبرها الإشارات من الأعصاب الحركية إلى الألياف العضلية لتحفيزها على الانقباض، قد يؤدي دوراً مهماً في فقدان القوة المرتبط بالعمر.
وتشير النتائج إلى أن استهداف هذه الآلية قد يفتح مستقبلاً الباب أمام طرق جديدة للتعامل مع الضعف العضلي لدى كبار السن، إلا أن النتائج المتعلقة باستعادة الوظيفة العضلية لا تزال مستندة إلى تجارب على الحيوانات، ولا تعني حتى الآن وجود علاج مثبت للبشر.
فقدان حجم العضلات ليس السبب الوحيد
من المعروف أن كتلة العضلات وقوتها تتراجعان تدريجياً مع التقدم في العمر، وقد يصل الأمر لدى بعض الأشخاص إلى حالة تُعرف باسم “الساركوبينيا”، وهي فقدان تدريجي في كتلة العضلات وقوتها وأدائها يرتبط بالتقدم في السن.
لكن الباحثين يشيرون إلى أن فقدان الكتلة العضلية وحده لا يفسر بالضرورة مقدار الانخفاض الذي يحدث في القوة.
وهنا يبرز دور الجهاز العصبي، إذ تحتاج العضلات إلى إشارات عصبية فعالة حتى تستطيع الانقباض وإنتاج القوة المطلوبة للحركة.
وتنتقل هذه الإشارات عبر الوصلات العصبية العضلية، التي تعمل كنقاط اتصال بين الأعصاب الحركية والألياف العضلية.
وبحسب الدراسة، قد تصبح عملية نقل الإشارات في هذه الوصلات أقل كفاءة وموثوقية مع التقدم في العمر، وهو ما يمكن أن يسهم في انخفاض القوة العضلية.
ما الوصلة العصبية العضلية؟
الوصلة العصبية العضلية هي نقطة الاتصال بين نهاية العصب الحركي والعضلة.
فعندما يقرر الإنسان تحريك أحد أطرافه، يرسل الجهاز العصبي إشارة كهربائية عبر العصب، وتؤدي هذه الإشارة في النهاية إلى سلسلة من العمليات التي تسمح للألياف العضلية بالانقباض.
ولذلك فإن الحفاظ على سلامة الاتصال بين الجهاز العصبي والعضلات يمثل جزءاً أساسياً من القدرة على الحركة وإنتاج القوة.
وتشير النتائج الجديدة إلى أن تدهور كفاءة هذه العملية قد يكون أحد العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند دراسة الضعف العضلي المرتبط بالشيخوخة.
قناة NaV1.4 ودورها في استجابة العضلات
ركز الباحثون أيضاً على قناة صوديوم تُعرف باسم “NaV1.4″، وهي بروتين يوجد في خلايا العضلات ويلعب دوراً مهماً في الاستثارة الكهربائية للألياف العضلية.
ورصد الفريق البحثي انخفاضاً في مستويات هذه القناة مع التقدم في العمر، وهو ما قد يجعل الألياف العضلية أقل قدرة على الاستجابة بكفاءة للإشارات العصبية.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من أنها تقدم تفسيراً محتملاً لكيفية تحول التغيرات التي تحدث على المستوى الخلوي إلى ضعف ملحوظ في أداء العضلات.
تجربة على حيوانات مسنة تكشف مساراً علاجياً محتملاً
اختبر الباحثون إمكانية التأثير في هذه الآلية من خلال استهداف قناة أيونية أخرى تعرف باسم “ClC-1”.
وفي التجارب التي أُجريت على حيوانات مسنة، أدى التثبيط الجزئي لهذه القناة إلى زيادة قابلية العضلات للاستثارة وتحسين انتقال الإشارات العصبية العضلية، وارتبط ذلك بتحسن في الوظيفة العضلية.
وتشير هذه النتائج إلى أن بعض جوانب الخلل في انتقال الإشارات بين الأعصاب والعضلات قد تكون قابلة للتعديل على الأقل في النماذج الحيوانية.
وهذه نقطة مهمة، لأنها تعني أن بعض التغيرات المرتبطة بالشيخوخة العضلية قد لا تكون نتيجة فقدان دائم وغير قابل للتدخل في الأنسجة فقط.
هل أصبح هناك علاج للساركوبينيا؟
رغم النتائج الواعدة، لا تعني الدراسة اكتشاف علاج جديد جاهز للاستخدام لدى كبار السن.
فالتجارب التي أظهرت تحسناً في الوظيفة العضلية أُجريت على الحيوانات، ولا يمكن افتراض أن استهداف القنوات الأيونية نفسها سيكون آمناً وفعالاً لدى البشر قبل إجراء الدراسات والتجارب السريرية اللازمة.
لكن تحديد الآليات التي تؤدي إلى فشل انتقال الإشارات العصبية العضلية قد يساعد الباحثين مستقبلاً في تطوير تدخلات تستهدف أحد الأسباب المحتملة لفقدان القوة بدلاً من التركيز على حجم العضلات وحده.
ما الساركوبينيا؟
الساركوبينيا هي اضطراب عضلي يرتبط بالتقدم في العمر ويتميز بانخفاض القوة والكتلة العضلية والأداء البدني بدرجات متفاوتة.
وتزداد أهميتها لدى كبار السن لأنها قد تؤثر في القدرة على المشي والتوازن وأداء الأنشطة اليومية بصورة مستقلة، كما يمكن أن ترتبط بزيادة خطر السقوط ومضاعفاته.
ولهذا لا تقتصر أهمية الحفاظ على العضلات على المظهر أو القوة البدنية، بل تمتد إلى الحفاظ على الحركة والاستقلالية وجودة الحياة في المراحل المتقدمة من العمر.
كيف يمكن الحفاظ على قوة العضلات مع التقدم في العمر؟
إلى أن تؤدي الأبحاث الجديدة إلى علاجات مثبتة للبشر، تظل الإجراءات المعروفة للحفاظ على صحة العضلات هي الأساس.
وتأتي تمارين المقاومة وتقوية العضلات ضمن أهم الوسائل المستخدمة للحفاظ على القوة والوظيفة العضلية مع التقدم في العمر، إلى جانب النشاط البدني المنتظم والتغذية المتوازنة والحصول على كمية مناسبة من البروتين وفق احتياجات الشخص وحالته الصحية.
كما ينبغي تقييم الضعف العضلي الملحوظ أو صعوبة المشي أو تكرار السقوط طبياً، لأن فقدان القوة قد تكون له أسباب متعددة، ولا يمكن افتراض أن الشيخوخة وحدها هي السبب.
لماذا تعد الدراسة مهمة؟
تقدم الدراسة تصوراً أوسع لشيخوخة العضلات، إذ تشير إلى أن انخفاض القوة مع العمر ليس مجرد مسألة تقلص في حجم العضلات.
فكفاءة التواصل بين الجهاز العصبي والألياف العضلية قد تكون جزءاً مهماً من المشكلة، وهو ما قد يفسر لماذا لا يتناسب مقدار فقدان القوة دائماً مع مقدار فقدان الكتلة العضلية.
وإذا أثبتت الدراسات البشرية مستقبلاً إمكانية استهداف هذه الآليات بأمان، فقد تفتح النتائج مجالاً أمام استراتيجيات جديدة تهدف إلى الحفاظ على القوة والحركة والاستقلالية لدى كبار السن.
لكن في الوقت الحالي تظل هذه النتائج خطوة بحثية واعدة تحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل ترجمتها إلى علاج يستخدم لدى البشر.
أسئلة شائعة
لماذا تضعف العضلات مع التقدم في العمر؟
يرتبط ضعف العضلات مع العمر بعدة عوامل، من بينها تغيرات في الكتلة والأنسجة العضلية والنشاط البدني والتغذية والجهاز العصبي. وتشير الدراسة الجديدة إلى أن تراجع كفاءة الاتصال بين الأعصاب والعضلات قد يكون أحد العوامل المهمة أيضاً.
هل فقدان الكتلة العضلية هو السبب الوحيد لضعف كبار السن؟
لا. قد يساهم فقدان الكتلة العضلية في انخفاض القوة، لكن قوة العضلات تعتمد أيضاً على كفاءة الجهاز العصبي وقدرته على تنشيط الألياف العضلية.
هل يمكن علاج الساركوبينيا؟
توجد تدخلات تساعد على تحسين القوة والأداء البدني، وعلى رأسها تمارين المقاومة والنشاط البدني والتغذية المناسبة. أما العلاج الدوائي القائم على الآلية التي تناولتها هذه الدراسة فما زال في مرحلة البحث ولم تثبت فعاليته وسلامته لدى البشر بعد.
هل يمكن استعادة قوة العضلات بعد سن الستين؟
يمكن لكثير من كبار السن تحسين القوة والوظيفة العضلية من خلال تمارين المقاومة والنشاط البدني المناسب والتغذية الجيدة، لكن مقدار التحسن يختلف من شخص إلى آخر بحسب الحالة الصحية والعمر ومستوى النشاط وعوامل أخرى.
