
في خطوة تصعيدية جديدة ضمن حملة إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب ضد ما تصفه بـ”الانحيازات الأيديولوجية” في مؤسسات التعليم العالي، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم الأربعاء، عن فتح تحقيق رسمي في أهلية جامعة هارفارد لرعاية المشاركين في برنامج تبادل الزوار الدولي. هذا التحقيق يأتي في سياق أكبر من المواجهة المحتدمة بين الحكومة الفيدرالية وواحدة من أقدم وأغنى الجامعات في الولايات المتحدة، وسط اتهامات تتعلق بالتمييز وخرق معايير الاعتماد الأكاديمي.
تحقيقات وزارة الخارجية: الأمن القومي على المحك
قال الوزير روبيو إن التحقيق يهدف إلى التأكد من امتثال جامعة هارفارد للوائح الحكومية المرتبطة ببرنامج تبادل الزوار، مؤكدًا أن أي جهة راعية لهذا البرنامج يجب أن تلتزم بتنفيذ سياساتها بما لا يتعارض مع أهداف السياسة الخارجية الأميركية أو يهدد مصالح الأمن القومي.
وأوضح روبيو أن الوزارة تسعى من خلال هذا التحقيق إلى ضمان ألا تتورط برامج تبادل الزوار الأكاديمية في تعزيز أجندات سياسية أو أيديولوجية تتنافى مع المصالح الوطنية، مشيرًا إلى أن الامتثال الكامل هو شرط أساسي للحفاظ على حق الرعاية في هذا البرنامج الدولي الحساس.
حملة ترمب ضد الجامعات: هارفارد في مرمى الاتهامات
تأتي هذه الخطوة في إطار حملة أوسع شنّها الرئيس السابق دونالد ترمب ضد مؤسسات التعليم العالي التي يتهمها بنشر أفكار “يسارية متطرفة” واحتضان “معتقدات معادية للسامية”، بحسب تعبيره. وقد أصبحت جامعة هارفارد رمزًا لهذه المواجهة، حيث تتهمها إدارة ترمب بعدم اتخاذ إجراءات كافية لحماية الطلاب اليهود والإسرائيليين داخل الحرم الجامعي.
من بين أولى الخطوات التصعيدية التي اتخذتها الحكومة ضد الجامعة، كان إلغاء مئات المنح البحثية التي كانت مقدمة لطلاب وأكاديميين ضمن برامج ممولة اتحاديًا، في إشارة إلى أن هارفارد لم تلتزم بتوفير بيئة تعليمية آمنة لجميع الطلاب، خاصة اليهود منهم.
الاعتماد الأكاديمي في مهب الريح: تهديد مباشر لوضع هارفارد
في تطور أكثر خطورة، أعلنت وزارة التعليم الأميركية ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، في 10 يوليو الجاري، أن جامعة هارفارد قد تواجه فقدان اعتمادها الأكاديمي، مشيرتين إلى أن الجامعة انتهكت قوانين مكافحة التمييز الفيدرالية.
وبحسب بيان الوزارتين، تم إخطار “لجنة نيو إنجلاند للتعليم العالي” — وهي الهيئة المسؤولة عن اعتماد هارفارد — بوجود أدلة قوية على أن الجامعة لم تعد تفي بمعايير الاعتماد، لا سيما فيما يتعلق بحماية طلابها من التمييز الديني أو القومي.
إحدى التبعات المباشرة لهذا الإعلان كانت مطالبة هارفارد بتقديم سجلات الطلاب الدوليين، ما يُعد سابقة خطيرة في تاريخ الرقابة الفيدرالية على الجامعات الخاصة في البلاد.
ردود الفعل: هارفارد تتهم الحكومة بـ”الانتقام السياسي”
في بيان رسمي، أعربت إدارة جامعة هارفارد عن رفضها القاطع لما وصفته بـ”الانتقام غير المبرر” من قبل الحكومة الفيدرالية، مؤكدة أنها ستواصل الدفاع عن مبادئها الأكاديمية وحرية التعبير داخل الحرم الجامعي، مع الحرص على حماية طلابها وهيئتها التعليمية من أي استهداف سياسي.
من جهتها، ردت لجنة الاعتماد بأنها تسلمت الخطاب الرسمي من الوزارتين، لكنها شددت على أن الحكومة الفيدرالية لا تملك سلطة مباشرة لإلغاء اعتماد أي جامعة، وأن أي مؤسسة تنتهك المعايير يُمكن أن تُمنح فترة تصحيح تمتد حتى أربع سنوات.
تحليل سياسي: هل تتحول الجامعات إلى ساحة صراع حزبي؟
يرى مراقبون أن ما يحدث بين الحكومة وهارفارد لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع في الولايات المتحدة، حيث أصبحت الجامعات ساحات مواجهة بين تيارات فكرية متضادة. فبينما ترى إدارة ترمب أن مؤسسات التعليم العالي تُستخدم كمنصات للترويج لأفكار مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، تعتبر هذه الجامعات أن حرية التعبير والنقاش الفكري من صميم رسالتها الأكاديمية.
ويحذر خبراء من أن استغلال أدوات الاعتماد والتمويل كوسائل ضغط سياسي قد يُضعف من استقلالية التعليم العالي في البلاد، ويؤدي إلى زعزعة ثقة المجتمع المحلي والدولي في النظام الأكاديمي الأميركي.
خاتمة: مستقبل هارفارد بين الدفاع عن المبادئ ومواجهة الضغوط
مع استمرار الضغوط الفيدرالية وفتح تحقيقات متعددة، تجد جامعة هارفارد نفسها في موقف حساس يتطلب توازنًا دقيقًا بين الدفاع عن حرياتها الأكاديمية والاستجابة للتهديدات التي قد تمس بنيتها المؤسسية. وفي ظل بيئة سياسية متقلبة، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون هارفارد بداية مرحلة جديدة من المواجهة بين الدولة والجامعات، أم أنها ستنجح في تجاوز العاصفة؟

تعليق واحد
رائع