
أُعلن، الأحد، عن وفاة الممثلة الفرنسية الأسطورية بريجيت باردو عن عمر ناهز 91 عامًا، وفق بيان رسمي صادر عن مؤسسة بريجيت باردو وصل إلى شبكة CNN، لتنطوي بذلك صفحة واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في تاريخ السينما والثقافة الشعبية في القرن العشرين.
وقالت المؤسسة في بيانها:
“تُكرّم مؤسسة بريجيت باردو ذكرى امرأة استثنائية قدّمت كل شيء وضحّت بكل شيء من أجل عالم أكثر احترامًا للحيوانات، وسيبقى إرثها حيًا من خلال النضالات والأعمال التي تواصلها المؤسسة بنفس الشغف والوفاء لقيمها”.
رمز الشباب المتمرّد والثورة الجنسية في السينما
لم تكن بريجيت باردو مجرد ممثلة، بل تحولت إلى أيقونة عالمية للجمال والحرية والتمرد. فقد ساهمت بأدائها الجريء والحسي في إرساء دعائم الثورة الجنسية في السينما الأوروبية، في زمن كانت فيه القيود الأخلاقية تفرض نفسها بقوة على الفن السابع.
وبرز اسمها عالميًا من خلال أفلام خالدة، أبرزها:
- …And God Created Woman (1956)
- Contempt (1963) للمخرج جان لوك غودار
- Viva Maria! (1965)
وقد أثارت هذه الأعمال إعجاب الجماهير، وفي الوقت ذاته صدمت السلطات الأخلاقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
“B.B”.. ظاهرة ثقافية تتجاوز فرنسا
في فرنسا، عُرفت بريجيت باردو بحرفي اسمها الأولين B.B، وتحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية. أما في الولايات المتحدة، فقد لعبت دورًا مهمًا في نشر السينما الأجنبية بين الجمهور الأمريكي، في وقت كانت فيه هوليوود تخضع لرقابة صارمة تمنع التطرق الصريح لموضوعات الجنس والجسد.
ووصفَت مجلة لايف تأثيرها عام 1961 بقولها:
“في كل مكان، تسير الفتيات، يرتدين ملابسهن، ويصففن شعرهن مثل باردو، ويتمنين لو كنّ أرواحًا حرة مثلها”.
صيّادة بقدر ما هي فريسة
أحدثت باردو انقسامًا حادًا في الرأي العام، وكانت من أوائل المشاهير المعاصرين الذين عاشوا علاقاتهم وفق شروطهم الخاصة، دون اعتذار أو تبرير، في زمن سبق صعود الحركة النسوية الحديثة.
وكتبت الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار عنها في مقال شهير عام 1959 بعنوان “بريجيت باردو ومتلازمة لوليتا”:
“في لعبة الحب، هي صيّادة بقدر ما هي فريسة… الرجل بالنسبة لها مجرد شيء، كما هي بالنسبة له، وهذا ما يجرح الكبرياء الذكوري”.
نجمة كاريزمية رغم انتقادات النقاد
رغم أن باردو كانت تقلل من شأن قدراتها التمثيلية، ونادرًا ما حظيت بإجماع نقدي، فإن كاريزمتها الطاغية جعلتها تتربع على قمة النجومية لنحو عقدين، من خلال أكثر من 40 فيلمًا، إلى جانب نجاحها كمغنية في فرنسا خلال الستينيات.
أيقونة موضة ألهمت العالم
لم يقتصر تأثير بريجيت باردو على السينما والموسيقى، بل امتد إلى عالم الموضة وثقافة البوب. فقد شكّل شعرها الأشقر غير المتكلف، وملابسها البسيطة والمريحة، ثورة في معايير الأناقة.
وقد استلهمت ممثلات مثل جين فوندا وجولي كريستي أسلوبها، فيما تأثرت عارضات أزياء عالميات مثل كيت موس وكلوديا شيفر بإطلالتها الطبيعية.
وقال تاجر الأعمال الفنية البريطاني جيمس هايمان لصحيفة الغارديان عام 2009:
“كانت بريجيت باردو صورة للحرية والحيوية والشباب… جسدت الأصالة والعفوية، وكان ذلك بالنسبة للنساء شكلًا من أشكال النسوية”.
تحوّل جذري نحو الدفاع عن حقوق الحيوان
بعد اعتزالها السينما عام 1973 وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، كرّست باردو حياتها للدفاع عن حقوق الحيوان، وأصبحت من أبرز الناشطات في هذا المجال عالميًا.
وقالت خلال مزاد خيري عام 1987:
“منحت جمالي وشبابي للرجال، والآن أقدّم حكمتي وخبرتي، وأفضل ما لدي، للحيوانات”.
جدل سياسي ومواقف مثيرة للانقسام
ورغم نشاطها الإنساني، بقيت باردو شخصية جدلية، خاصة بسبب مواقفها المنتقدة للهجرة وبعض الطقوس الدينية المتعلقة بذبح الحيوانات، إضافة إلى زواجها عام 1992 من برنارد دورمال، المقرب من السياسي اليميني المتطرف جان ماري لوبان.
كما رفضت الخضوع لعمليات التجميل، وفضّلت التقدم في العمر بشكل طبيعي، محتفظة بشعرها الرمادي وملامحها الحقيقية، في موقف نادر بين نجمات جيلها.
طفولة بعيدة عن الأضواء وبدايات غير متوقعة
وُلدت بريجيت باردو في 28 سبتمبر/أيلول 1934 في باريس، ونشأت في عائلة من الطبقة المتوسطة العليا. حلمها الأول كان أن تصبح راقصة باليه، لكن ظهورها على غلاف مجلة إيل وهي في الخامسة عشرة غيّر مسار حياتها بالكامل، ولفت أنظار المخرج روجر فاديم، الذي أصبح لاحقًا شريكها العاطفي وبوابة دخولها عالم السينما.
معاناة مع الشهرة ومحاولة انتحار
في ذروة مجدها، عانت باردو من ضغط الشهرة وملاحقة المصورين، خاصة خلال فترة ولادة طفلها الوحيد نيكولا. وبعد تصوير فيلم La Vérité، حاولت الانتحار عام 1960، في حادثة هزّت الرأي العام العالمي.
لكنها عادت بقوة، وجسدت معاناتها في فيلم Vie Privée (1962)، مؤكدة قدرتها على تحويل الألم إلى فن.
ماكرون والعالم ينعون أسطورة القرن
توالت ردود الفعل عقب إعلان وفاتها، حيث نعاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلًا:
“أفلامها، صوتها، شغفها بالحيوانات، ووجهها الذي أصبح رمزًا للجمهورية… كل ذلك جسّد حياة الحرية”.
كما وصفها بأنها “تألق عالمي وأسطورة القرن”.
ونعاها مسؤولون وفنانون من فرنسا وإيطاليا، فيما قالت مدينة سان تروبيه، التي ارتبط اسمها بباردو:
“بريجيت باردو ستظل حية في روح مدينتنا، وتنتمي إلى ذاكرتنا الجماعية”.
خلاصة
برحيل بريجيت باردو، يفقد العالم أيقونة نادرة جمعت بين الجمال، التمرد، الفن، والالتزام الإنساني. لكنها ستبقى حاضرة في السينما، والموضة، وحقوق الحيوان، وذاكرة القرن العشرين.
