
في تصعيد جديد يعكس حدة التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، أعلنت السفارة الصينية في واشنطن أنها قدمت احتجاجاً رسمياً لدى الجانب الأمريكي بشأن قرار الإدارة الأمريكية بإلغاء تأشيرات طلاب جمهورية الصين الشعبية. في المقابل، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن هذا الإجراء يأتي رداً على ما وصفته بـ”استغلال الحزب الشيوعي الصيني للجامعات الأمريكية وسرقة الأبحاث والملكية الفكرية”.
بكين تندد بالإجراءات الأمريكية: “إجراء تمييزي ذو دوافع سياسية”
أصدرت السفارة الصينية في الولايات المتحدة بياناً رسمياً نددت فيه بما وصفته بـالإجراءات التمييزية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، مشيرة إلى أن خطة إلغاء تأشيرات الطلاب الصينيين تعد خطوة ذات دوافع سياسية تهدد حقوق ومصالح الطلبة المشروعة.
وجاء في البيان:
“نحن نعارض بشدة هذه الخطة التي تتبناها وزارة الخارجية الأمريكية، ونعتبرها إجراءً غير عادل وغير مبرر، ويحمل دوافع سياسية واضحة. من شأن هذا القرار أن يضر بصورة الولايات المتحدة كوجهة دراسية عالمية، كما سيؤثر سلباً على مستقبل آلاف الطلاب الصينيين الذين يسعون لتطوير مهاراتهم العلمية في أفضل جامعات العالم.”
كما شددت السفارة على ضرورة أن تقوم الحكومة الأمريكية بتصحيح أخطائها فوراً، وضمان استمرار حصول الطلاب الصينيين على فرص تعليمية عادلة دون تمييز أو تسييس.
واشنطن ترد: “لن نتسامح مع الاستغلال أو التجسس”
من جانبها، بررت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية تامي بروس هذه الإجراءات بأن الولايات المتحدة لن تسمح باستغلال النظام التعليمي لديها من قبل الحزب الشيوعي الصيني، سواء عبر التجسس الصناعي، أو سرقة الملكية الفكرية، أو استخدام الجامعات كمجالس لجمع المعلومات الاستخبارية.
وقالت بروس خلال مؤتمر صحافي:
“عندما يتعلق الأمر بأمن الولايات المتحدة، فإننا لن نتسامح مع أي محاولات لاستغلال جامعاتنا أو سرقة أبحاثنا وتقنياتنا المتقدمة لتعزيز القوة العسكرية أو قمع المعارضة داخل الصين.”
وأشارت إلى أن السياسة الجديدة ستُطبَّق على الطلاب الذين يُشتبه في صلاتهم بالحزب الشيوعي الصيني أو الذين يدرسون في مجالات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي، التقنيات الدفاعية، والطاقة النووية.
تعليق المقابلات وفحص وسائل التواصل الاجتماعي
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أعلن عن حملة شاملة تستهدف طلبات التأشيرات الخاصة بالطلاب الأجانب، وخاصة من الصين، حيث أمر بوقف تحديد مواعيد جديدة للمقابلات القنصلية لطالبي تأشيرات الطلاب والباحثين والزوار الثقافيين.
وحسب برقية رسمية صادرة عن وزارة الخارجية، سيتم:
- تعليق جميع المواعيد الجديدة لتأشيرات الطلاب الأكاديميين والمهنيين.
- تطبيق فحص شامل لحسابات وسائل التواصل الاجتماعي لكل طالب متقدم.
- تحديد أولئك الذين قد يشكلون تهديداً للأمن القومي الأمريكي.
وتوقع الخبراء أن يؤدي هذا القرار إلى تباطؤ كبير في إجراءات منح التأشيرات، مما قد يؤثر على مئات الآلاف من الطلاب الدوليين الذين يعتمدون على الجامعات الأمريكية كوجهة رئيسية للتعليم العالي.
تأثيرات اقتصادية وتعليمية محتملة
تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تستضيف أكثر من 350 ألف طالب صيني سنوياً، وهو ما يمثل مصدراً أساسياً للدخل المالي للجامعات الأمريكية، خاصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).
ومن المرجح أن تواجه الجامعات الكبرى، مثل هارفارد وستانفورد وMIT، تداعيات اقتصادية مباشرة بسبب انخفاض عدد الطلاب الدوليين، إلا أن إدارة ترامب أكدت أن الأولوية الآن هي لأمن الدولة وليس للمكاسب المالية.
حالة جامعة هارفارد: صراع سياسي جديد
في تطور لافت، ذكرت تقارير إعلامية أن إدارة ترامب بصدد اتخاذ قرار يمنع جامعة هارفارد من استقبال طلاب دوليين بدءاً من العام الدراسي 2025/2026، وذلك كعقاب لها على رفضها تسليم بيانات موسعة عن الطلاب الصينيين لوزارة الأمن الداخلي.
ووصفت بعض المصادر هذه الخطوة بأنها “انتقامية”، وتهدد بتعميق الانقسام بين المؤسسات الأكاديمية الأمريكية وإدارة الرئيس.
تحليل سياسي: هل بدأت الحرب الباردة الثانية؟
يأتي هذا التصعيد في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وبكين على عدة مستويات، من التجارة إلى التكنولوجيا، ومن الهواتف الذكية إلى الفضاء السيبراني. ومع تصاعد لهجة الخطاب السياسي، يتساءل المحللون إن كانت هذه الإجراءات مجرد بداية لمرحلة أكثر حدة من المنافسة الجيوسياسية بين البلدين.
ويرى الباحث السياسي إبراهيم أبو القاسم أن:
“هذه القرارات ليست فقط ضد الطلاب، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تسعى لإضعاف النمو التكنولوجي الصيني، لكنها في الوقت نفسه قد تخلق رد فعل غاضب من بكين، وقد تشمل تدابير انتقامية في مجالات أخرى.”
مستقبل العلاقة بين البلدين: نحو التصعيد أم الحوار؟
رغم التصريحات الحادة من الطرفين، لا تزال هناك بوادر لفتح قناة تفاوضية، خاصة في ظل دعوات من بعض الدبلوماسيين الأوروبيين والأمم المتحدة لضرورة احتواء التوترات وتجنب التصعيد غير المحسوب.
لكن مع استمرار إدارة ترامب في تبني سياسات صارمة تجاه الصين، يبدو أن العلاقات الثنائية تتجه نحو مرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية، قد تستمر لسنوات قادمة.

تعليق واحد
رائع