
تحتضن مؤسسة كارتييه للفن المعاصر في العاصمة الفرنسية باريس معرض «زمن الحصاد» للفنان الغاني إبراهيم ماهاما، في حدث ثقافي بارز يعيد قراءة التاريخ الاستعماري لإفريقيا من خلال الفن المعاصر والذاكرة الجماعية.
تتجه أنظار عشاق الفن المعاصر في باريس إلى تجربة إبداعية استثنائية يقدمها الفنان الغاني إبراهيم ماهاما، الذي يحوّل بقايا الماضي والمواد المهملة إلى أعمال فنية ضخمة تحمل رسائل إنسانية وتاريخية عميقة.
ويأتي معرض «زمن الحصاد» في مؤسسة كارتييه للفن المعاصر بوصفه أضخم معرض من نوعه للفنان في فرنسا، حيث يفتح نافذة واسعة على الفن الإفريقي المعاصر، ويستكشف العلاقة بين التاريخ والهوية والذاكرة والمستقبل.
ولا يقتصر المعرض على تقديم أعمال تشكيلية مميزة، بل يدعو الجمهور إلى إعادة التفكير في الإرث الاستعماري، والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها القارة الإفريقية، من خلال لغة فنية تجمع بين الخيال والبحث التاريخي.
من هو إبراهيم ماهاما؟ الفنان الغاني الذي أعاد اكتشاف ذاكرة الأشياء
وُلد إبراهيم ماهاما عام 1987 في مدينة تامالي شمال غانا، وبرز اسمه عالمياً بفضل أعماله الفنية التركيبية التي تعتمد على إعادة استخدام المواد المستهلكة والوثائق التاريخية وبقايا المنشآت الصناعية.
ويتميز أسلوبه بتحويل الأشياء التي فقدت وظيفتها الأصلية إلى عناصر بصرية تحمل معاني جديدة، مستفيداً من تاريخها الاجتماعي والاقتصادي وما تختزنه من قصص وتجارب إنسانية.
ومن خلال هذا النهج، أصبحت أعمال ماهاما مساحة للتأمل في العلاقة بين الماضي والحاضر، وكيف يمكن للمواد المهملة أن تكشف جوانب من التاريخ لا تظهر دائماً في الروايات الرسمية.
ويرى الفنان أن الماضي لا يمثل مجرد مرحلة انتهت، بل يمكن أن يكون مصدراً لتخيل المستقبل وإعادة صياغة إمكاناته.
معرض «زمن الحصاد» في باريس.. الفن الإفريقي يروي تاريخ الاستعمار
منذ عام 2010، يعمل إبراهيم ماهاما على تطوير مشروع فني يستكشف آثار الاستعمار والتحولات التي أعقبته في غانا، مستنداً إلى تاريخ البلاد الصناعي والتجاري.
ويطرح الفنان عبر أعماله أسئلة تتعلق بحركة السلع وانتقال المهارات والحرف التقليدية، إضافة إلى مصير المواقع الصناعية القديمة وأهمية الحفاظ على التراث الثقافي.
ويعكس معرض «زمن الحصاد» هذا الاهتمام، من خلال أعمال جديدة صُممت خصيصاً لفضاءات مؤسسة كارتييه، إلى جانب صيغ لم تُعرض سابقاً من بعض أبرز مشروعاته الفنية.
وتمنح هذه الأعمال الزوار فرصة لاكتشاف كيفية توظيف المواد والأرشيفات التاريخية في بناء سرديات بصرية تتجاوز حدود المكان والزمان.
«برلمان الأشباح».. عمل فني يستحضر الديمقراطية الغائبة في غانا
يبرز عمل «برلمان الأشباح» (Parliament of Ghosts) بوصفه أحد أهم الأعمال التي يقدمها إبراهيم ماهاما ضمن المعرض.
ويتخذ العمل شكل قاعة برلمانية أعاد الفنان تشكيلها باستخدام مقاعد خشبية تقليدية مستوحاة من ثقافة الأشانتي في غانا، مع إتاحة الفرصة للزوار للجلوس عليها والتفاعل مع فضائها.
لكن القاعة تخلو من النواب وممثلي الشعب، لتتحول إلى رمز بصري يثير تساؤلات حول السلطة والتمثيل السياسي والديمقراطية.
ويرتبط هذا التصور بتاريخ غانا السياسي، ولا سيما الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1966 وأدى إلى الإطاحة بالحكومة آنذاك.
ومن خلال استحضار هذا الحدث، يقدم ماهاما قراءة فنية لتاريخ المؤسسات السياسية وما تعرضت له من انقطاعات وتحولات، مع ترك المجال مفتوحاً أمام الجمهور للتأمل في معنى المشاركة والتمثيل.
عندما يتحول «برلمان الأشباح» إلى فضاء للحوار والإبداع
لا يظل «برلمان الأشباح» مجرد عمل فني ثابت داخل قاعات العرض، بل يتحول طوال فترة المعرض إلى مساحة ثقافية تفاعلية تستضيف فعاليات متنوعة.
ويشمل البرنامج عروضاً موسيقية وأدائية، إلى جانب لقاءات ونقاشات ومحاضرات تُنظم بالتعاون مع عدد من مدارس الفنون.
ويمنح هذا التوجه العمل الفني وظيفة تتجاوز المشاهدة التقليدية، ليصبح فضاءً للحوار وتبادل الأفكار والخبرات.
كما يعكس رؤية ماهاما للفن باعتباره ممارسة اجتماعية قادرة على جمع الناس وإثارة النقاش حول قضايا التاريخ والهوية والمستقبل.
تسعة فنانين يشاركون في «زمن الحصاد» لتعزيز الحوار الثقافي
يمتد معرض «زمن الحصاد» إلى ما هو أبعد من التجربة الفردية لإبراهيم ماهاما، إذ يُقام بالتعاون مع تسعة فنانين ومجموعات فنية تربطهم به علاقات مهنية وإبداعية طويلة الأمد.
وتقوم هذه الشراكات على البحث المشترك والتبادل الثقافي والتجريب الفني، بما يعزز الطابع الجماعي للمشروع.
ويعكس هذا التعاون قناعة الفنان بأهمية بناء شبكات إبداعية مستدامة، تتيح للفنانين تبادل المعرفة وتطوير ممارسات فنية ترتبط ببيئاتهم ومجتمعاتهم.
من باريس إلى تامالي.. مراكز فنية تعيد رسم مستقبل الإبداع في غانا
لا تقتصر مساهمة إبراهيم ماهاما في الفن الإفريقي المعاصر على المعارض الدولية، بل تمتد إلى تأسيس مؤسسات ثقافية داخل بلاده.
فمنذ عام 2019، أسس الفنان ثلاثة مراكز فنية في مدينة تامالي شمال غانا، بهدف توفير مساحات للإبداع والبحث والتعاون الفني.
وتجسد هذه المراكز اهتمامه بتطوير البنية الثقافية المحلية، وربط الممارسة الفنية بالمجتمع الذي تنشأ فيه.
كما تمثل امتداداً عملياً لفلسفته التي تنظر إلى الفن باعتباره وسيلة لإعادة اكتشاف التاريخ، وصناعة فرص جديدة للأجيال المقبلة.
ويأتي معرضه في باريس استمراراً لهذا المسار، حيث تتقاطع التجارب المحلية في غانا مع الحوار الفني العالمي.
الفن الإفريقي المعاصر يفرض حضوره في المؤسسات الثقافية العالمية
يسلط معرض «زمن الحصاد» الضوء على قدرة الفن الإفريقي المعاصر على تقديم رؤى نقدية جديدة للتاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع.
ومن خلال أعمال إبراهيم ماهاما، تتحول المواد الصناعية والوثائق القديمة والمقاعد الخشبية إلى أدوات للتعبير عن قضايا تتجاوز الحدود الجغرافية لغانا.
وتكشف هذه التجربة أن الفن لا يقتصر على الجمال البصري، بل يمكن أن يؤدي دوراً في مساءلة الذاكرة الجماعية وإعادة التفكير في الروايات التاريخية.
كما يعكس احتضان مؤسسة كارتييه لهذا المشروع اهتمام المؤسسات الفنية الدولية بالتجارب التي تجمع بين الابتكار التشكيلي والبحث الثقافي.
«زمن الحصاد».. الماضي بوابة لإعادة تخيل المستقبل
يقدم إبراهيم ماهاما في معرض «زمن الحصاد» رؤية فنية ترى في الذاكرة مصدراً للإبداع، وفي بقايا التاريخ إمكانات لمستقبل مختلف.
فالأشياء التي تبدو مهملة أو منسية تتحول في أعماله إلى شواهد على التحولات الاجتماعية والسياسية، وإلى وسائل لإحياء النقاش حول التراث والهوية.
وبين قاعات مؤسسة كارتييه في باريس والمراكز الفنية التي أسسها في تامالي، يواصل الفنان الغاني بناء جسور بين الذاكرة المحلية والتجربة الإنسانية المشتركة.
وهكذا يصبح «زمن الحصاد» أكثر من مجرد معرض للفن المعاصر؛ إنه دعوة لاكتشاف ما يمكن أن ينبت من الماضي، وكيف تستطيع الذاكرة أن تفتح أبواباً جديدة للمستقبل.
