
“هل ننجبُ أطفالاً كي يكونوا شهوداً على الإبادة الجماعية؟” سؤال صادم تطرحه الكاتبة التشيلية من أصول فلسطينية لينا مرواني، ليضع القارئ مباشرة في قلب نقاش ثقافي وسياسي وإنساني عميق. في أعمالها الأدبية، تتحول الأمومة والهوية والمقاومة إلى محور مركزي، تتشابك فيه التجربة الشخصية مع الواقع التاريخي والسياسي.
هوية متعددة الأبعاد: فلسطينية وتشيلية
ولدت لينا مرواني في سانتياغو دي تشيلي عام 1970، لأب فلسطيني وأم إيطالية، ما منحها هوية ثقافية غنية ومتعددة الأبعاد. تنتمي إلى أكبر جالية فلسطينية في أميركا اللاتينية، وأثر ذلك واضح في كتاباتها التي تجمع بين الرواية، القصة القصيرة، المسرح، والمقالة. تُرجمت أعمالها إلى أكثر من 12 لغة، مما يجعلها صوتاً أدبياً مؤثراً على المستوى العالمي.
الوعي بالهوية الفلسطينية حاضراً بوضوح في أعمالها المبكرة مثل:
- “الثمرة المتعفّنة” (2000): رصدت فيه مسيرة الفلسطينيين في أميركا اللاتينية.
- “أن تعودي فلسطين” (2003): رحلة العودة إلى الجذور الأولى.
- “فلسطين في أشلاء” (2006): عرض لوجوه متعددة للذاكرة الفلسطينية الممزقة بفعل الاحتلال والمنفى.
تؤكد مرواني من خلال هذه الأعمال أن الأدب لا ينفصل عن السياسة، وأنه أداة للحفاظ على الهوية والنضال الثقافي.
الأمومة في مواجهة الإبادة: سؤال أخلاقي وجماعي
في روايتها “ضد الأبناء” (2014)، تتناول مرواني قضية الأمومة وسط عالم يشهد العنف والتهجير المستمر، مع تركيز خاص على مأساة الفلسطينيين في غزة. ترى أن إنجاب الأطفال في ظل هذه الظروف يعني إدخالهم قسراً في دائرة الشهادة على المأساة، ما يحوّل الأمومة إلى قضية ثقافية وسياسية عميقة.
“كل امرأة ترغب في الإنجاب يجب أن يكون لها الحق في ذلك. السؤال هو: لماذا يجب على امرأة لا ترغب في الإنجاب أن تُجبر على ذلك؟”
الأمومة هنا ليست مجرد فعل بيولوجي، بل تصبح أداة للطرح الأخلاقي والسياسي، تسائل القراء حول معنى الحياة والحرية والمسؤولية الإنسانية.
الضغوط الاجتماعية والسياسات العالمية
في مقابلة حديثة مع وكالة الأنباء الإسبانية، أشارت مرواني إلى انخفاض معدلات الولادة في تشيلي، وربطته بسياق عالمي يشمل سياسات حكومية لتعزيز النسل عبر خطاب محافظ، كما حدث في الولايات المتحدة أثناء حكم ترامب، أو في محاولات تشيلية لتشجيع الشباب على الإنجاب.
تطرح مرواني السؤال الأساسي: هل يجوز إدخال الأطفال إلى عالم يشهد الإبادة والقتل الجماعي؟ هذا التساؤل يعكس جوهر أعمالها، حيث تلتقي القضية الفلسطينية مع التجربة التشيلية ضمن سياق عالمي معقد.
من الرواية إلى المسرح: تحويل الأمومة إلى أداة ثقافية
حوّلت مرواني روايتها “ضد الأبناء” إلى مسرحية بعنوان “ذلك الشيء الحيواني”، حيث تسلط الضوء على الأمومة كأداة للنقاش السياسي والثقافي. في المسرحية، يتناقش ثلاثة إخوة حول مسألة الإنجاب، ليصبح السؤال عن الأمومة محوراً أخلاقياً وسياسياً.
لدى مرواني رؤية واضحة بأن أسباب تردد النساء عن الإنجاب تتجاوز الاقتصاد لتشمل العمل الهش، التمييز، الأزمة المناخية، الحروب، والإبادة، خصوصاً في فلسطين:
“العالم لم يُجب بصراحة عن مسألة الإبادة المستمرة، التي إعلانها واضح، ومرئي، ومفتعل على وسائل التواصل، لكنها متواصلة منذ زمن بعيد”.
سرد العنف والهوية الفلسطينية
تركز مرواني على تصوير أشكال العنف المتعددة: العنف الفردي، الاجتماعي، الثقافي، والسياسي. تعكس كتاباتها الانتهاكات داخل الأسرة، العنف الجنسي، والتهجير في فلسطين، مستخدمة الخيال الأدبي لإعادة إنتاج الواقع بطريقة أكثر تأثيراً من أي سرد مباشر.
“إن الكتابة عما يثير رعبي الشخصي هي طريقة لتلقيح نفسي ضد الخوف”.
كما تشير إلى تطور وعيها بهويتها الفلسطينية بعد أحداث 11 سبتمبر، وكيف أدركت مسؤوليتها في مواجهة الصور النمطية للآخر الفلسطيني، لتخلق نصوصاً تمزج بين تجربة الذات والواقع التاريخي والجغرافي.
الجوائز والتقديرات
حازت مرواني على تقدير واسع في الأوساط الأدبية العالمية:
- “مقبرة قزحية للروح” (2012): جائزة “سور خوانا إينيس دي لا كروز”.
- وسام الثقافة والعلوم والفنون من الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2022.
- جائزة “خوسيه دونوسو” الأيبيرية الأميركية للأدب عام 2023.
من خلال هذه الجوائز، تثبت مرواني أنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية التي تمزج بين الفن والهوية والمقاومة الثقافية.
الأدب كأداة مقاومة
من أول أعمالها وحتى كتاباتها الراهنة، تجعل مرواني من الكتابة مساحة للتأمل والمواجهة. الأدب عندها يتحول إلى أداة للمقاومة الثقافية، للحفاظ على الذاكرة، وفهم الروابط العميقة بين الفرد والمجتمع، بين الذات والجغرافيا، وبين الطفولة والمأساة.
“الكتابة وسيلة لفهم العنف والهوية والمقاومة، ولطرح أسئلة أخلاقية حول الحرية والمسؤولية الإنسانية”.
أعمالها تطرح أسئلة حول العنف، الأمومة، الهوية، والعدالة الاجتماعية، وتدعو القراء لإعادة التفكير في دور الفرد في مواجهة الظلم، وفي بناء حياة حرّة وواعية وسط عالم مليء بالتحديات.
