
في منتصف عام 2025، أطلقت صحيفة The New York Times استطلاعًا واسعًا لتحديد أفضل 100 فيلم في القرن الحادي والعشرين، أو بالأدق، خلال الربع الأول من هذا القرن. وقد جاءت النتائج بناءً على تصويت أكثر من 500 مشارك من العاملين في مجال السينما، منهم مخرجون وممثلون ونقاد، طُلب من كل منهم ترشيح 10 أفلام مفضلة بترتيب تنازلي، حيث يحصل الفيلم الأول على 10 نقاط، والثاني على 9… وهكذا حتى الأخير بنقطة واحدة فقط.
لكن كما هو متوقع في مثل هذه الحالات، أثارت النتائج ضجة واسعة، وانهالت التعليقات ما بين مؤيد ومعترض، منتقد ومحلل، خاصة مع بروز بعض الاختيارات المثيرة للجدل، وغياب أفلام اعتبرها كثيرون من أهم ما أُنتج خلال العقدين الماضيين.
آلية التصويت: بين الشمول والديموقراطية الزائفة
رغم اتساع قاعدة المشاركين، إلا أن النقاد أشاروا إلى ثغرات جوهرية في منهجية التصويت، منها:
- ضخامة قائمة الأفلام المحتملة: كيف يُتوقع من أي مشارك أن يكون قد شاهد آلاف الأفلام التي صدرت عالميًا خلال 25 عامًا؟
- عدم وجود تصفيات أولية: بعكس جوائز الأوسكار، التي تمر بمراحل ترشيح وتصويت نهائي، فإن مثل هذه الاستطلاعات تعتمد على مرحلة واحدة فقط، ما يجعل النتائج عرضة للذوق الشخصي أو حتى الانحيازات غير المقصودة.
- هيمنة المشاركين من خلفية تمثيلية: حيث أن عددًا كبيرًا من المصوتين كانوا ممثلين، وهم – بحسب التحليل – أقل اطلاعًا على السينما العالمية مقارنة بالمخرجين أو النقاد.
الترتيب النهائي: مفاجآت وغيابات غير مبررة
فيما يلي قائمة أعلى 10 أفلام في الاستطلاع:
- Parasite – بونج جون هو
- Mulholland Drive – ديفيد لينش
- There Will Be Blood – بول توماس أندرسون
- In The Mood For Love – وانغ كار واي
- Moonlight – باري جنكينز
- No Country For Old Men – الأخوين كوين
- Eternal Sunshine of the Spotless Mind – مايكل جوندري
- Get Out – جوردان بيل
- Spirited Away – هاياو ميازاكي
- The Social Network – ديفيد فينشر
ورغم أن بعض هذه الأفلام بالفعل استثنائية فنيًا، إلا أن وجود Parasite على رأس القائمة أثار دهشة الكثيرين، مثلما حدث سابقًا مع فيلم Jeanne Dielman في قائمة مجلة Sight & Sound حين صُنف كأعظم فيلم في تاريخ السينما.
أفلام عظيمة خارج الترتيب العشري
الغريب أن أفلامًا مثل:
- Roma – المركز 45
- A Separation – المركز 33
- La La Land – خارج القائمة
- Lord of the Rings (الجزءان الثاني والثالث) – خارج العشرة
- Shoplifters – غائب تمامًا
كلها لم تجد مكانًا بين العشرة الأوائل، رغم حصول بعضها على جوائز أوسكار متعددة أو إشادات نقدية واسعة.
وما يزيد الاستغراب هو وجود أفلام مثل Mad Max (المركز 11)، أو Black Panther كممثل وحيد لعالم مارفل، إلى جانب بعض الكوميديات الخفيفة مثل Superbad وBorat وBridesmaids، ما يطرح تساؤلات عن المعايير الحقيقية للاختيار.
هل القائمة عالمية حقًا؟ أم أميركية الهوى؟
رغم محاولة الصحيفة تقديم استطلاع “عالمي”، فإن غالبية المشاركين والأفلام المختارة تنتمي إلى السينما الأميركية أو تلك التي لاقت رواجًا كبيرًا في السوق الأميركية، وهو أمر يمكن تفهمه نظرًا لكون الاستطلاع أميركي المنشأ. ومع ذلك، فإن النسبة الضئيلة من المشاركين غير الأميركيين تجعل الادعاء بالعالمية محل شك.
الممثلون.. وتأثير العلاقات والذوق الشخصي
تحليل بعض القوائم الفردية أظهر أن العديد من المشاركين اختاروا أفلامًا قريبة من ذوقهم أو أصدقائهم في المجال.
مثال ذلك: مايكي ماديسون، بطلة فيلم Anora، اختارت في قائمتها فيلمًا روسيًا من بطولة زميلها في الفيلم، وفيلمين من إخراج مخرج Anora.
كذلك، الممثل شيويتل إيجيوفور وضع فيلم 12 Years a Slave، الذي لعب بطولته، في قمة قائمته.
ومع أن معظم المشاركين التزموا الحياد، فإن الطبيعة البشرية، والانتماءات المهنية والشخصية، أثرت بشكل واضح على بعض الترشيحات.
تنوع مذهل.. لكنه غير كافٍ
من الإنصاف القول إن الاستطلاع قدم مجموعة غنية من الأفلام المتنوعة جغرافيًا وفنيًا، خاصة عند تحليل القوائم الفردية لمخرجين مثل شون بيكر، الذي اختار أفلامًا أوروبية وآسيوية بحتة، أو المخرج بونج جون هو، الذي جمع في قائمته بين الكوري والياباني والفرنسي والأميركي.
لكنّ المثير أن معظم هذه الأفلام “غير المشهورة” غابت تمامًا عن القائمة النهائية، مما يعكس ميل التصويت العام نحو الأعمال الجماهيرية والمعروفة أكثر من تلك الفنية والعميقة.
هل نولان هو الأفضل فعلًا؟ قراءة في الإحصائيات الجانبية
من آثار هذا النوع من الاستطلاعات ظهور إحصائيات غير رسمية مثل:
- كريستوفر نولان: الأكثر حضورًا بـ5 أفلام
- براد بيت: أكثر ممثل ظهورًا بـ6 أفلام
- الأخوين كوين، كوارون، بول توماس أندرسون: كل منهم بـ4 أفلام في القائمة
لكن تبقى هذه النتائج غير دقيقة علميًا، لأن المقارنة بين من أنجز 10 أفلام وآخر لم ينجز سوى اثنين غير عادلة.
خلاصة: الجدل مفيد.. والمشاهدة أهم من الترتيب
رغم كل ما قيل من نقد وتحليل، فإن هذه الاستطلاعات تُطلق شرارة النقاش السينمائي وتزيد من التفاعل الفني والثقافي. وربما هذا هو الهدف الأسمى منها، لا تقديم حكم قاطع ونهائي.
صحيفة The New York Times دعت جمهورها لإعداد قوائمهم الخاصة، ومن يدري؟ ربما تصدر قريبًا قائمة “أفضل 100 فيلم” من اختيار القرّاء، تعكس ذوقًا شعبيًا أكثر منه نخبويًا.
