
في خطوة كشفت عن مدى التزام شركة أبل بالحفاظ على إيراداتها من متجر التطبيقات، كشفت المستندات والشهادات التي ظهرت مؤخرًا عن الصراعات الداخلية بين كبار التنفيذيين حول كيفية التعامل مع الحكم القضائي الذي يطالب الشركة بتخفيف سيطرتها على متجر “آب ستور” App Store.
بعد قرار محكمة الاستئناف الفيدرالية بضرورة تغيير بعض السياسات داخل المتجر، دخلت أبل في مرحلة حاسمة من التخطيط والمفاوضات الداخلية، مما أدى إلى انقسام الآراء بين كبار المسؤولين التنفيذيين حول ما إذا كانت الشركة لا تزال تستطيع فرض عمولات على المبيعات الخارجية دون انتهاك أوامر المحكمة.
خلفية القرار القضائي: هل انتهكت أبل القانون؟
على مدار أكثر من عقد، كانت أبل تحصل على عمولة تصل إلى 30% من جميع المبيعات التي تتم عبر متجر التطبيقات، وذلك من خلال نظام الدفع الموحد الخاص بها. لكن بعد الدعوى القضائية التي رفعتها شركة “إيبك جيمز” Epic Games في عام 2020، بدأت الضغوط تتزايد على الشركة لتغيير سياستها.
وفي عام 2023، أمرت المحاكم أبل بالسماح للمطورين باستخدام طرق دفع خارجية، بعيدًا عن نظامها، مما فتح المجال أمام تطبيقات مثل Fortnite وغيرها لإعادة دخول السوق بدون دفع العمولة التقليدية. ومع ذلك، ظل السؤال الكبير داخل مقر أبل العالمي هو: هل يمكننا استمرار تحصيل عمولة حتى على هذه المبيعات الجديدة؟
انقسام الرؤى داخل الإدارة العليا
ظهر الانقسام بوضوح بين فيل شيلر، رئيس قسم متجر التطبيقات السابق، ولوكا مايستري، نائب الرئيس الأول والمدير المالي للشركة.
- فيل شيلر أبدى تخوفه من أن فرض أي عمولة على المبيعات الخارجية قد يكون غير قانوني، واقترح أن تكون هذه المبيعات خالية تمامًا من العمولة.
- أما لوكا مايستري، فقد دعم فكرة فرض عمولة بنسبة 27% على المبيعات التي تتم خارج منظومة أبل، مؤكدًا أنها خطوة ضرورية لحماية الإيرادات والمنصة نفسها.
واختارت أبل في النهاية الجانب المالي، حيث اتخذ تيم كوك قرارًا يصب في صالح الحفاظ على تدفق الإيرادات، وهو ما دفع الشركة إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لدعم هذا الخيار قانونيًا واقتصاديًا.
كيف بررت أبل قرارها؟ دراسة “مستقلة” أم تلاعب اقتصادي؟
للإيحاء بأن قرار فرض العمولة الجديدة كان له أساس اقتصادي، استعانت أبل بفريق من الخبراء الاقتصاديين من مجموعة Analysis Group لكتابة تقرير يهدف إلى تبرير فرض العمولة. وجاء في التقرير أن الخدمات التي تقدمها أبل للمطورين – بما في ذلك أدوات التطوير، والتوزيع، وخدمات الدعم الفني – تستحق أكثر من 30% من إيرادات التطبيق.
لكن القاضية إيفون جونزاليس روجرز لم تكن مقتنعة بهذا التبرير، ووصفت التقرير بأنه “غير موضوعي”، بل واتهمت الشركة بـ”اختلاق” الدراسة لإضفاء الشرعية على قرارها.
محاولة التشويش على الحقائق: إخفاء مستندات وشهادة كاذبة
لم تقف الأمور عند حد التبرير الاقتصادي، بل ذهبت أبل إلى أبعد من ذلك، حيث حجبت الشركة آلاف الوثائق بموجب مزاعم تتعلق بالامتياز بين المحامي وموكله. كما شهد أحد المدراء التنفيذيين بإفادة زائفة على المنصة، مما زاد من تعقيد الموقف القانوني للشركة وأثار غضب المحكمة.
استراتيجية الترهيب: تحذير المستخدمين من الشراء الخارجي
لم تكتفِ أبل فقط بفرض العمولة، بل ذهبت إلى تصميم واجهات تثير الخوف لدى المستخدمين من استخدام الروابط الخارجية. فقد كشفت وثائق المحكمة أن الشركة عملت على تصميم شاشات تحذيرية تجعل عملية الشراء خارج النظام تبدو “مخيفة” و”خطيرة”.
وكان تيم كوك نفسه مشاركًا في هذه الخطوة، حيث وجه الفريق لتعديل التحذير ليتمحور حول خصوصية وأمان أبل، وطلب أن يتم تغيير العبارة من “لن تتعامل مع أبل بعد الآن” إلى:
“أبل ليست مسؤولة عن خصوصية أو أمان المشتريات التي تتم على الويب.”
ماذا يعني هذا على المدى الطويل لأبل؟
لا يقتصر تأثير هذا القرار على قضية واحدة فقط، بل قد يؤثر على سمعة أبل أمام المحاكم لسنوات قادمة. وقد حذر مارك أ. ليملي، أستاذ قانون مكافحة الاحتكار والتكنولوجيا في جامعة ستانفورد، من أن فقدان الثقة مع المحاكم قد يجعل القضاة في المستقبل أكثر ميلاً لاتهام الشركة بالخداع أو الكذب.
وأشار ليملي إلى أن “إذا أحرقت مصداقيتك لدى المحاكم، فإن القاضي التالي سيكون أقل استعدادًا للتسامح.”
دعوات قضائية متعددة: ليس كل شيء يسير ضد أبل
بينما تستأنف الشركة حكم القاضية جونزاليس روجرز وتسعى لتأجيل تنفيذ الأمر القضائي، تواجه أيضًا تحديات قانونية متعددة من دول مختلفة، بما في ذلك:
- وزارة العدل الأمريكية في قضية احتكار iPhone.
- دعوى جماعية من مطوري التطبيقات في الولايات المتحدة.
- تحقيقات مانعة للمنافسة من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وإسبانيا وحتى الصين.
مشروع ويسكونسن: الحلول البديلة تحت الاختبار
أنشأت أبل فريقًا داخليًا أطلقت عليه اسم “مشروع ويسكونسن” لدراسة الخيارات الممكنة للامتثال للأمر القضائي دون التأثير السلبي على الإيرادات. ونظر الفريق في حلّين رئيسيين:
- السماح بتضمين روابط الشراء الخارجية دون عمولة: هذا الحل قد يؤدي إلى خسائر تقدر بمئات الملايين، بل وقد تتجاوز مليار دولار.
- السماح بوضع الروابط مع فرض عمولة 27%: هذا الخيار يحمي الإيرادات، خاصة مع وجود توقعات بأن عددًا قليلاً من المطورين سيستخدمون هذا الخيار إذا كانت هناك عمولة.
وبعد تقييم البيانات، اختار تيم كوك الخيار الثاني، ووافق على فرض العمولة بنسبة 27% مع وضع قيود على مكان وضع الروابط داخل التطبيق.
الخلاصة: معركة قانونية مستمرة تهدد مستقبل أبل
ما كشفته المستندات والشهادات الأخيرة ليس مجرد صراع داخلي حول العمولات، بل هو مؤشر على مدى استعداد أبل لبذل الجهود – القانونية والاقتصادية وحتى التسويقية – لحماية إيراداتها من متجر التطبيقات. لكن هذا التحرك قد يكون له ثمن باهظ على المدى البعيد، سواء من حيث فقدان الثقة القانونية أو تأثيره على سمعة الشركة العالمية.
ومع تصاعد الضغوط التنظيمية والقانونية، يبقى السؤال الكبير: هل ستتمكن أبل من موازنة الدفاع عن مصالحها المالية مع الالتزام بالقوانين الجديدة، أم أن هذا الصراع سيصبح نقطة تحول في تاريخ الشركة؟

تعليق واحد
موفق