
في عالمٍ يتغير بسرعة هائلة، وتتطور فيه التكنولوجيا كل يوم، قد تتوقع أن تكون أنظمة التشغيل القديمة مجرد ذكرى في متاحف التقنية. لكن الواقع مختلف تماماً.
في عام 2024، وجد أحد الصحفيين نفسه داخل مصعد في مستشفى فاخر في نيويورك، ليواجه شيئاً غير متوقَّع: شاشة تعرض رسالة خطأ مألوفة جداً — نظام ويندوز إكس بي، الذي أُصدر قبل أكثر من 20 عامًا!
هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو جزء من واقعٍ غريب يعيش فيه ملايين الناس حول العالم. فالرغم من مرور خمسين عاماً على تأسيس مايكروسوفت، واستثمارها عشرات المليارات في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، إلا أن آثار الماضي الرقمي لهذه الشركة العملاقة لا تزال حية بين أيدينا.
مايكروسوفت: من البرامج إلى البنية التحتية
منذ ظهور أول إصدار من ويندوز في الثمانينيات، أصبحت برامج مايكروسوفت جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الرقمية العالمية. اليوم، يعتمد الكثير من العالم على أنظمة تشغيل قديمة أو حتى منتهية الدعم، وذلك لسبب واحد بسيط: الاستقرار والتكلفة العالية لتحديثها.
كما قال لي فينسيل، الأستاذ في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا:
“يمكن القول إن ويندوز هو البنية التحتية المثالية، وهذا هو سبب ثراء بيل غيتس”.
وأضاف:
“وجود هذه النماذج القديمة بين أيدينا هو سر نجاح الشركة بشكل عام. هذا هو سر تميز مايكروسوفت. لطالما كان ويندوز هو الوسيلة الوحيدة لإنجاز الأعمال”.
أين يمكن أن تجد ويندوز إكس بي اليوم؟
قد تتفاجأ من الأماكن التي لا تزال فيها أنظمة مايكروسوفت القديمة تعمل بفعالية، رغم عمرها الزمني الطويل:
1. أجهزة الصراف الآلي
على الرغم من انتهاء دعم مايكروسوفت لنظام ويندوز إكس بي في عام 2014، لا تزال العديد من أجهزة الصراف الآلي حول العالم تعتمد عليه، خصوصاً في البنوك الصغيرة والمتوسطة.
وقال إلفيس مونتيرو، فني صيانة أجهزة صراف آلي:
“التحدي في تحديث هذه الأجهزة يتمثل في التكلفة الباهظة المرتبطة بالتوافق مع الأجهزة الجديدة، والامتثال للوائح التنظيمية، والحاجة إلى إعادة برمجة برامج الصراف الآلي الخاصة.”
2. أنظمة السكك الحديدية الألمانية
في ألمانيا، أثارت شركة دويتشه بان (السكك الحديدية الألمانية) جدلاً واسعاً عندما طلبت مهندساً لديه خبرة في ويندوز 3.11 ونظام MS-DOS، وهما نظامان تشغيل قديمان للغاية، لإصلاح أنظمة القطارات.
وصرّح المتحدث باسم الشركة أن النظام ما زال يستخدم فقط في شاشات العرض، وأنه خضع لاختبارات السلامة واكتسب الثقة عبر السنين.
3. مطارات سان فرانسيسكو
في الولايات المتحدة، ما زالت بعض قطارات موني مترو في سان فرانسيسكو تحتاج إلى قراص مدمجة (Floppy Disks) تعمل بنظام DOS لتشغيل أنظمة التحكم في السكك الحديدية.
وأعلنت هيئة النقل المحلي أنها تخطط لتحديث النظام خلال العقد المقبل، ولكن الأقراص القديمة لا تزال تدير العمليات حتى الآن.
4. الطابعات الفنية الكبيرة
في سان دييغو، لا تزال هناك طابعات ضوئية عملاقة من نوع LightJet متصلة بأجهزة كمبيوتر تعمل بنظام ويندوز 2000، لتنتج صوراً فنية عالية الجودة لا يمكن تحقيقها بواسطة الطابعات الحديثة.
وقال جون واتس، مختص في الطباعة الفنية:
“بحثنا عن ترقية النظام إلى ويندوز فيستا، لكن تكلفتنا كانت تتجاوز 60 ألف دولار أمريكي. أنا لا أحب ويندوز، لكنني عالق به”.
التحديات الحقيقية: هل من الآمن الاستمرار باستخدام البرمجيات القديمة؟
استخدام الأنظمة القديمة ليس فقط أمراً تقنياً، بل هو أيضاً تحدي كبير فيما يتعلق بالأمن السيبراني وإمكانية الصيانة.
– نقص الدعم الفني
مع انتهاء دعم مايكروسوفت لأنظمة مثل ويندوز إكس بي، لم تعد هذه الأنظمة تتلقى تحديثات الأمان أو الإصلاحات الأمنية، مما يجعلها عرضة للاختراق.
– الاعتماد على الخبراء المتخصصين
كما قال لي فينسيل:
“في كثير من الأحيان، لا يوجد سوى شخص واحد يعرف كيفية تشغيل النظام، ويكون غالباً في ولاية بعيدة”.
وهذا يخلق مشكلة كبيرة في نقل المعرفة وصيانة البنية التحتية الرقمية.
– التكاليف الباهظة لتحديث الأنظمة
في المؤسسات الكبرى، غالباً ما يُؤجل تحديث الأنظمة بسبب التكلفة العالية، خاصة إذا كانت الأجهزة القديمة ما زالت تعمل بشكل جيد.
وقال سكوت فورد، مطور برمجيات متخصص في تحديث الأنظمة القديمة:
“الشركات تركز على إضافة ميزات جديدة بدلاً من الاستثمار في تحسين البنية التحتية الحالية”.
مايكروسوفت في القطاع الصحي: نظام CPRS القائم على VistA
واحد من أغرب الأمثلة على استخدام البرمجيات القديمة هو نظام CPRS (Comprehensive Patient Record System)، الذي لا يزال مستخدماً في عدد من المستشفيات التابعة لوزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية.
يعمل هذا النظام على منصة VistA، والتي تعود إلى عام 1985، وهي مبنية على نظام MS-DOS!
وقال الدكتور إريك زابريسكي، طبيب نفسي عمل ضمن هذا النظام:
“كان عليّ الوصول إلى العمل مبكراً لأن تسجيل الدخول إلى الكمبيوتر كان يستغرق 15 دقيقة. بمجرد دخولي، كنت أحرص على عدم الخروج منه. كان الأمر مرهقاً”.
تسعى الوزارة حالياً لتحديث النظام، ومن المتوقع استبداله بنظام جديد بحلول عام 2031، بعد فشل ثلاث محاولات سابقة لتحديثه.
الحفاظ على التراث الرقمي: هل يجب أن نحافظ على البرمجيات القديمة؟
في مختبر الأدب الإلكتروني بجامعة ولاية واشنطن، تدير دين جريجار مجموعة ضخمة من أجهزة الكمبيوتر القديمة، بما في ذلك برامج تفاعلية من الثمانينيات والتسعينيات.
وقالت:
“في بداية استخدام الكمبيوتر، بدأ الفنانون والكتاب في إنتاج أعمال رقمية غيرت تعريف الأدب والفن”، وأضافت: “البرمجيات التجريبية لا يمكن فصلها عن الجهاز، فهي ليست مجرد ملف يمكنك طباعته”.
تحتوي المجموعة على 61 جهازاً كمبيوترياً، وتسعى جريجار للعثور على جهاز قادر على قراءة الأقراص المرنة بحجم 5.25 بوصة، وهو أمرٌ في غاية الندرة اليوم.
لماذا ما زلنا نستخدم ويندوز القديمة؟
1. الاستقرار والموثوقية
الأنظمة القديمة غالباً ما تكون أكثر استقراراً، وقد تم اختبارها عبر الزمن، مما يجعلها موثوقة في بيئات حساسة مثل المستشفيات والسكك الحديدية.
2. التكاليف الباهظة لتحديث الأنظمة
تحديث الأنظمة يتطلب استثمارات كبيرة في الأجهزة الجديدة، وتدريب الموظفين، وإعادة برمجة التطبيقات القديمة.
3. غياب الحاجة الملحة للتطوير
في بعض الحالات، لا حاجة فعلية لتحديث النظام إذا كان يعمل بشكل جيد، خاصة في المعدات التي لا تتطلب تفاعلاً مع الإنترنت.
4. الدعم الطويل من مايكروسوفت
على عكس شركات مثل Apple، فإن مايكروسوفت توفر دعماً طويلاً لأنظمتها، مما يشجع الشركات على البقاء على الأنظمة القديمة.
الخلاصة
رغم أننا نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، إلا أن مايكروسوفت القديمة لا تزال تسيطر على مساحات كبيرة من البنية التحتية الرقمية في العالم. من المصاعد إلى القطارات، ومن المستشفيات إلى المختبرات الفنية، فإن آثار ويندوز القديمة لا تزال موجودة، وتعمل، وتدفعنا للتفكير في العلاقة المعقدة بين التقدم التكنولوجي والاستقرار.
هل سيستمر العالم في استخدام أنظمة قديمة لسنوات قادمة، أم أن التحديث سيكون الخيار الوحيد المتاح في المستقبل؟
الجواب يعتمد على قدرة الشركات والحكومات على موازنة التكاليف مقابل الأمان والكفاءة، وربما، على مدى استعدادنا للتخلي عن تلك الأجهزة التي عشنا معها سنوات طويلة.

تعليق واحد
رائع