
لم تدرك العالمة الأميركية ماري إي. برانكو (Mary E. Brunkow) أنها أصبحت إحدى الفائزات بجائزة نوبل في الطب لعام 2025. فمع ساعات الفجر الأولى، رن هاتفها يحمل رقمًا غريبًا من السويد، ظنّت أنه اتصال تسويقي مزعج، فأغلقته وعادت إلى النوم.
لكن دقائق قليلة كانت كافية لتغيّر مجرى حياتها؛ إذ أيقظها زوجها على أصوات الصحفيين ووسائل الإعلام أمام منزلها، ليكتشفا أن المكالمة التي تجاهلتها كانت من لجنة نوبل نفسها.
وفي مقابلة لاحقة مع موقع نوبل، قالت برانكو ضاحكة:
“رأيت رقمًا من السويد وقلت في نفسي، لا بد أنه اتصال عشوائي، فأغلقت الهاتف وعدت للنوم، ولم أصدق حتى سمعت المراسلين أمام الباب!”
من واشنطن إلى نوبل: مسيرة علمية استثنائية
وُلدت ماري برانكو عام 1961، ودرست علم الأحياء في جامعة واشنطن، ثم واصلت دراستها العليا في جامعة برنستون العريقة، حيث حصلت على الدكتوراه في علم الأحياء الجزيئي عام 1991 تحت إشراف العالمة شيرلي تيلجمان.
كانت أطروحتها حول جين H19 في الفئران المعدلة وراثيًا، وهي بداية رحلتها في علم الوراثة الجزيئية الذي سيفتح لها لاحقًا باب التاريخ العلمي.
مسار غير تقليدي نحو الاكتشاف
بعد تخرجها، فضّلت برانكو طريق البحث الصناعي بدل الأكاديمي، فعملت في شركة “سيلتيك” بمدينة سياتل، ثم انتقلت إلى معهد بيولوجيا الأنظمة، أحد أبرز المراكز البحثية في الولايات المتحدة.
هناك شاركت في مشاريع تتعلق بـ الجينوم الأسري، وأبحاث الإنتان، والطب الوقائي الجيني المعروف باسم “العافية العلمية”.
اكتشاف غيّر فهم المناعة: جين FOXP3
في مطلع الألفية الجديدة، نشرت برانكو وفريقها بحثًا في مجلة Nature Genetics عام 2001، اكتشفوا فيه جينًا مسؤولًا عن اضطراب مناعي قاتل في الفئران.
أطلقوا عليه أولاً اسم “سكرفين” (Scurfin)، ثم عُرف لاحقًا باسم FOXP3، وهو الجين الذي ينظم عمل الخلايا التائية التنظيمية (Regulatory T Cells) المسؤولة عن كبح فرط نشاط جهاز المناعة.
هذا الاكتشاف كان نقطة تحول في علم المناعة، إذ أوضح كيف يوازن الجسم بين مهاجمة الأجسام الغريبة وحماية خلاياه الذاتية، مانعًا ما يُعرف بـ “الانفجار المناعي الداخلي”.
من الاكتشاف إلى التطبيقات الطبية
فتح جين FOXP3 الباب أمام فهم جديد لأمراض المناعة الذاتية مثل:
- الذئبة الحمراء (Lupus)
- التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis)
- السكري من النوع الأول (Type 1 Diabetes)
كما ساهم هذا الاكتشاف في تطوير استراتيجيات لعلاج السرطان من خلال التحكم في الاستجابة المناعية — إما تنشيطها لمهاجمة الأورام أو كبحها لتجنب تدمير أنسجة الجسم السليمة.
اكتشافات أخرى خارج المناعة
لم يتوقف إنجاز برانكو عند المناعة فقط؛ فقد شاركت في بحث نشر في American Journal of Human Genetics عام 2001، أثبت أن فقدان وظيفة جين SOST يؤدي إلى مرض نادر يُعرف باسم تصلب العظام (Sclerosteosis).
كما حدّد الفريق بروتينًا جديدًا أُطلق عليه Sclerostin، وهو مثبط طبيعي لتكوّن العظام.
هذا المسار البحثي ساهم لاحقًا في تطوير أدوية لعلاج هشاشة العظام، منها الدواء المعروف Romosozumab الذي يعمل على تعطيل البروتين لزيادة كثافة العظام.
رحلة نحو المجد العلمي
على الرغم من انتقالها لاحقًا إلى إدارة المشاريع البحثية وتعاونها في مبادرات جينومية متعددة التخصصات، بقي اسم FOXP3 مرتبطًا بها كأحد أهم اكتشافات القرن في علم المناعة.
وفي عام 2025، أعلنت لجنة نوبل في معهد كارولينسكا منحها الجائزة مع العالِمَين شيمون ساكاجوتشي وفريد رامزدل عن أبحاثهم في مجال التحكم المناعي الطرفي (Peripheral Immune Regulation).
تواضع العالم الحقيقي
قالت برانكو في حديثها بعد الإعلان عن الجائزة:
“لم يستوعب عقلي بعد ما حدث. كنت جزءًا من فريق علمي مذهل، والعمل الذي نكافأ عليه اليوم هو ثمرة تعاون طويل.”
وأضافت بابتسامة:
“العثور على الجين في التسعينيات كان مغامرة علمية بكل معنى الكلمة. اليوم يمكن إنجاز ما فعلناه في أسابيع قليلة بفضل التقنيات الحديثة، لكن في ذلك الوقت كان كل اكتشاف صغير إنجازًا كبيرًا.”
إرث علمي سيبقى
تؤكد ماري برانكو أن العلم لا يقوم على شخص واحد، بل على تضافر العقول، مشيرة إلى أن رحلتها نحو فهم FOXP3 كانت ثمرة تعاون بين علماء من تخصصات مختلفة.
لقد ساهم اكتشافها في تغيير وجه علم المناعة الحديث، ومهّد الطريق لعلاجات تنقذ الملايين من أمراض المناعة الذاتية.
