
من المرجّح أنك لاحظت خلال السنوات القليلة الماضية أن تجربة استخدام فيسبوك، ومنصات التواصل الاجتماعي عموماً، لم تعد كما كانت في السابق.
فالصفحة الرئيسية باتت مزدحمة، والاقتراحات تبدو عشوائية، والمحتوى في الغالب غير ذي صلة، بينما تتوارى منشورات الأصدقاء خلف طبقات من الإعلانات والمحتوى المدفوع.
أما إن كنت من جيل “زد” أو “ألفا”، فربما لا تستخدم فيسبوك أصلاً، أو تنظر إليه باعتباره منصة قديمة، فقدت جاذبيتها، ولم تعد مصممة لك من الأساس.
هذا الإحساس بالتدهور لا يقتصر على فيسبوك وحده، ولا يمكن اختزاله في سوء تصميم مؤقت أو خلل تقني عابر. بل إن الشعور بأن المنصات الرقمية أصبحت أكثر فوضوية، وأقل فائدة، وأكثر استفزازاً، هو تجربة مشتركة يعيشها ملايين المستخدمين حول العالم، وعلى منصات مختلفة في الوقت نفسه.
هل التجربة السيئة مجرد خلل؟
يميل كثيرون إلى الاعتقاد بأن هذا التدهور هو نتيجة جانبية غير مقصودة للتطور التقني، أو ثمناً لا مفر منه لأن هذه الخدمات “مجانية”.
لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟
ماذا لو لم تكن التجربة السيئة خللاً طارئاً، بل نتيجة مسار مقصود وممنهج؟
هنا تظهر فكرة صادمة مفادها أن ما نعيشه اليوم على الإنترنت ليس انحرافاً عن الهدف الأصلي للمنصات، بل تحقيقاً تدريجياً له.
فالتدهور، وفق هذا المنظور، لم يحدث رغم نجاح هذه المنصات، بل بسببه.
مفهوم “الانحطاط المنهجي للمنصات”
لفهم هذا التحول، قدّم الكاتب وناقد التكنولوجيا الكندي-البريطاني كوري دكتورو مفهوماً نقدياً لافتاً يُعرف باسم
Enshittification، ويمكن ترجمته – على نحو تقريبي – إلى الانحطاط الرأسمالي أو التدهور المنهجي للمنصات الرقمية.
يرى دكتورو أن تدهور فيسبوك وجزء كبير من الإنترنت ليس نتيجة سوء إدارة أو تراجع أذواق المستخدمين، بل نتاج منطق اقتصادي واضح يحكم عمل المنصات الكبرى.
وقد طوّر هذا المفهوم عبر سلسلة مقالات قبل أن يجمعها لاحقاً في كتاب يحمل العنوان نفسه، مستخدماً المصطلح كأداة تحليلية لفهم كيف تتحول منصات أُنشئت لتسهيل التواصل والمعرفة إلى فضاءات مرهقة ومشبعة بالمحتوى الرديء.
المراحل الثلاث لتدهور المنصات الرقمية
بحسب دكتورو، تمرّ المنصات الرقمية بثلاث مراحل أساسية:
1️⃣ المرحلة الأولى: إرضاء المستخدم
في البداية، تكون المنصة “جيدة” لمستخدميها.
تُضخ أموال المستثمرين لتحسين التجربة، وتقليل الإعلانات، وتقديم خدمات جذابة تهدف إلى جذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين.
2️⃣ المرحلة الثانية: إرضاء المعلنين
بعد الوصول إلى كتلة حرجة من المستخدمين، تبدأ المنصة في تعديل خوارزمياتها لخدمة المعلنين والناشرين، ولو على حساب المستخدم.
يزداد المحتوى المدفوع، ويُكافأ ما يحقق التفاعل الأعلى، بغض النظر عن جودته أو قيمته.
3️⃣ المرحلة الثالثة: استخلاص القيمة من الجميع
في المرحلة الأخيرة، تتحول المنصة إلى أداة لاستخلاص القيمة من المستخدمين والمعلنين معاً، بعد أن تُحكم احتجازهم داخل نظامها، مستفيدة من صعوبة المغادرة وغياب البدائل الحقيقية.
فيسبوك: المثال الأوضح
عند انطلاقه في منتصف العقد الأول من الألفية، قدّم فيسبوك نفسه بوصفه مساحة بسيطة للتواصل بين الأصدقاء، مع محتوى يأتي في معظمه من الدائرة الاجتماعية المباشرة.
ويشير دكتورو إلى أن فيسبوك، عند إطلاقه للجمهور عام 2006، قدّم نفسه بديلاً “أخلاقياً” لمنصات أخرى مثل ماي سبيس، متعهداً بعدم التجسس على المستخدمين.
غير أن هذا الوعد تبيّن لاحقاً أنه كان وهماً.
ففي عام 2018، كشفت فضيحة كامبريدج أناليتيكا عن استخدام بيانات عشرات الملايين من المستخدمين لأغراض سياسية دون علمهم، لتضع فيسبوك في قلب واحدة من أكبر فضائح الخصوصية في تاريخ الإنترنت.
ومع توسع المنصة وازدياد اعتماد المستخدمين عليها، انتقل فيسبوك تدريجياً من خدمة المستخدمين إلى خدمة المعلنين، ثم إلى مرحلة استخلاص القيمة من الجميع، ما جعل تجربة الاستخدام تتدهور دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار المنصة.
منطق يتكرر عبر الإنترنت
لا يقتصر هذا المسار على فيسبوك وحده، بل يتكرر – بأشكال مختلفة – في منصات أخرى:
- أمازون: احتجز المستخدمين عبر الاشتراكات والأنظمة المغلقة، ثم رفع كلفة البيع وأفرغ نتائج البحث من معناها.
- آبل: قدّمت “الحديقة المسوّرة” كمساحة آمنة وعالية الجودة، قبل أن تتحول إلى أداة لفرض العمولات وتقييد المطورين.
- تويتر (إكس): بدأ كمنصة مفتوحة، ثم دخل مرحلة تدهور متسارعة أضعفت الثقة وجودة المحتوى، دون أن تؤدي إلى زواله.
هذه الأمثلة توضح أن التدهور ليس خللاً خاصاً بمنصة بعينها، بل منطقاً عاماً يحكم تطور المنصات الرقمية الكبرى.
لماذا لا تختفي هذه المنصات؟
قد يبدو من المنطقي أن تختفي المنصات المتدهورة، لكن ما يميزها أنها لا تعمل كسلع عادية، بل كبنى تحتية رقمية يصعب الاستغناء عنها.
فالمنصة لا تحتجز المستخدمين عبر جودة الخدمة، بل عبر:
- الشبكات الاجتماعية
- العلاقات المهنية
- الذاكرة الرقمية
- تأثيرات الشبكة التي تزيد قيمتها كلما ازداد عدد مستخدميها
ومع تراجع البدائل الحقيقية، تصبح مغادرة المنصة مكلفة اجتماعياً ونفسياً، لا تقنياً فقط.
هل التدهور حتمي؟
يرفض دكتورو فكرة أن هذا الانحطاط قدر لا مفر منه.
فالمشكلة، برأيه، ليست في “سوء نية” قادة شركات التكنولوجيا، بل في تآكل القيود التي كانت تكبح استغلالهم:
المنافسة، والتنظيم القانوني، وقابلية فك الارتباط التقني، وقوة العاملين في قطاع التكنولوجيا.
ومع تراجع هذه الضوابط، أصبح التدهور ممكناً، بل مربحاً.
الخلاصة
ما نعيشه اليوم على فيسبوك وبقية المنصات ليس صدفة، ولا نتيجة خلل عابر، بل نتيجة منطق اقتصادي واضح كافأ الرداءة، وعاقب الجودة.
لكن التدهور ليس حتمياً.
فكما يؤكد دكتورو، يمكن للقوانين، والضغط الجماعي، وبناء بدائل مفتوحة وقابلة للمغادرة، أن تعيد تشكيل الإنترنت ليكون “جديداً وأفضل”.
التدهور ليس قدراً، ومقاومته ممكنة وضرورية.
