
أثارت قضية استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة الأكاديمية والصحفية جدلًا واسعًا داخل كلية دارتموث الأميركية، بعدما خضعت مجموعة من المقالات والأبحاث المنشورة باسم سانتياغو شنيل، عميد الشؤون الأكاديمية (Provost) في الكلية، للفحص بواسطة أداة متخصصة في اكتشاف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي.
وتصاعدت القضية إلى درجة إعلان إدارة دارتموث فتح مراجعة رسمية لاستخدام شنيل للذكاء الاصطناعي في منشوراته الأكاديمية وكتاباته العامة، وسط نقاش بين الطلاب والأكاديميين حول الحدود المقبولة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التأليف.
كيف بدأت قضية سانتياغو شنيل؟
بدأ الجدل بعد تحقيق نشره موقع Semafor في 26 أغسطس 2026 حول ظهور نصوص يشتبه في كتابتها أو تحريرها بواسطة الذكاء الاصطناعي ضمن صفحات الرأي في عدد من الصحف الأميركية الكبرى.
وشمل التحقيق مقالًا لسانتياغو شنيل نشرته صحيفة واشنطن بوست في 9 أغسطس 2026 بعنوان يدور حول مواجهة الجامعات للغش باستخدام الذكاء الاصطناعي والمشكلة الأعمق التي تواجه التعليم الجامعي.
وبحسب تحقيق Semafor، صنفت أداة Pangram المقال على أنه «100% مكتوب بالذكاء الاصطناعي».
لكن شنيل قال لـSemafor إنه كتب المقال اعتمادًا على أفكاره، ثم استخدم ChatGPT للمساعدة في تحسين بعض الحجج والتحقق من الأخطاء النحوية قبل إرساله إلى الصحيفة، مشيرًا كذلك إلى أن المقال مر بعدة جولات تحريرية لدى واشنطن بوست.
المفارقة التي أشعلت الجدل
اكتسبت القضية اهتمامًا إضافيًا بسبب موضوع مقال شنيل نفسه.
فالمقال الذي أثار الشكوك كان يناقش استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي والغش الأكاديمي، ويتناول كيفية تعامل الجامعات مع أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية.
وبالتالي أثارت نتائج أداة الكشف تساؤلات داخل مجتمع دارتموث بشأن المعايير التي ينبغي تطبيقها على الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والإدارة الأكاديمية عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة.
صحيفة طلاب دارتموث توسع التحقيق
بعد تحقيق Semafor، أجرت صحيفة The Dartmouth الطلابية تحقيقًا موسعًا في كتابات شنيل.
وفحص الصحفيون مجموعة من أعماله المنشورة قبل وبعد الإطلاق العام لـChatGPT في نوفمبر 2022 باستخدام الإصدار 4.0 من أداة Pangram.
ووفقًا للتحقيق المنشور في 21 سبتمبر 2026، صنفت الأداة خمسة أعمال لشنيل منشورة قبل ظهور ChatGPT على أنها «100% مكتوبة بواسطة إنسان».
أما تسعة أعمال منفردة نُشرت بعد ذلك، فأظهرت نتائج الاختبار نسبة وسيطة بلغت 96% للنص المصنف على أنه مكتوب بالذكاء الاصطناعي.
ومن المهم التأكيد على أن هذه النسب تمثل تصنيف أداة Pangram وليست إثباتًا مستقلًا بأن الذكاء الاصطناعي كتب النسبة نفسها حرفيًا من كل مقال.
ماذا قال شنيل عن استخدامه للذكاء الاصطناعي؟
أقر شنيل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة، لكنه قال إن هذه الأدوات لم تكن بديلًا عن أفكاره أو أبحاثه أو حكمه الفكري.
وأوضح أن استخدامه شمل جوانب مثل تحسين اللغة والتحرير وزيادة الوضوح والتنظيم وجعل عملية الكتابة أكثر كفاءة.
وأكد أن الأفكار والحجج والبحث وتقييم الأدلة والمصادر وتحديد بنية الأعمال والقرارات المتعلقة بالنص النهائي تظل مسؤوليته.
كما أكد تحمله المسؤولية عن النصوص المنشورة باسمه.
حتى بيان الرد أثار الجدل
أفادت The Dartmouth بأن البيان الذي أرسله شنيل إليها ردًا على أسئلتها صُنّف بواسطة Pangram على أنه «100% مكتوب بالذكاء الاصطناعي».
وعندما سألته الصحيفة عن ذلك، أوضح أنه طور مضمون الرد وكتب مسودة، ثم استخدم أداة للذكاء الاصطناعي للمساعدة في اللغة والوضوح، واعتمد بعض اقتراحاتها قبل مراجعة النص وإرساله باسمه.
وأعاد التأكيد على تحمله المسؤولية الكاملة عن أي نص يحمل توقيعه.
هل أدوات كشف الذكاء الاصطناعي دقيقة؟
تمثل هذه النقطة جانبًا مهمًا في القضية.
فشنيل شكك في الاعتماد على أدوات اكتشاف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، وأشار إلى دراسات سابقة أثارت مخاوف بشأن احتمال تحيز بعض هذه الأدوات ضد الأشخاص الذين لا تُعد الإنجليزية لغتهم الأم.
وأشارت The Dartmouth إلى أن دراسة من جامعة ستانفورد عام 2023 وجدت أن بعض أدوات الكشف التي خضعت للاختبار آنذاك كانت تخطئ في تصنيف كتابات لأشخاص لا يتحدثون الإنجليزية كلغة أم.
لكن أداة Pangram نفسها لم تكن ضمن الأدوات التي اختبرتها تلك الدراسة.
كما أشارت الصحيفة إلى أبحاث أحدث تناولت أداء Pangram، في حين تظل هناك مناقشات علمية حول قدرة أدوات الكشف عمومًا على التمييز بين النصوص التي كتبها الذكاء الاصطناعي بالكامل والنصوص البشرية التي خضعت لتحرير أو تحسين بواسطة الذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن نتائج أدوات الكشف ينبغي فهمها باعتبارها جزءًا من الأدلة محل النقاش، وليس باعتبارها وحدها إثباتًا قاطعًا لطريقة إنشاء النص.
مطالبات طلابية بإقالة شنيل
لم تنته القضية عند التحقيق الصحفي.
ففي 22 سبتمبر، نشر إيلاي مويس، محرر رأي في The Dartmouth وطالب يدرس الحكومة والكتابة الإبداعية، مقال رأي دعا فيه إلى إقالة شنيل من منصبه.
واعتبر مويس أن ما كشفته التحقيقات يثير مشكلة تتعلق بالمعايير الأكاديمية واستخدام الذكاء الاصطناعي من جانب المسؤول الأكاديمي الأعلى في الكلية.
لكن هذه الدعوة تمثل رأي كاتب المقال وليست قرارًا صادرًا عن كلية دارتموث.
دارتموث تفتح مراجعة رسمية
وفي أحدث تطورات القضية، أعلنت رئيسة كلية دارتموث سيان بيلوك في 25 سبتمبر 2026 بدء مراجعة وصفتها بأنها «صارمة وموضوعية» لاستخدام شنيل للذكاء الاصطناعي في منشوراته الأكاديمية وكتاباته العامة.
وجاء الإعلان بعد أيام من نشر تحقيق صحيفة The Dartmouth والجدل الذي أعقبه داخل مجتمع الكلية.
وبذلك انتقلت القضية من تحقيقات صحفية وانتقادات طلابية إلى مراجعة رسمية داخل المؤسسة التعليمية.
شنيل: كان يجب أن أفصح عن استخدام الذكاء الاصطناعي
في اليوم نفسه، نشر شنيل مقالًا في The Dartmouth تناول فيه القضية واستخدامه للذكاء الاصطناعي.
وقال إنه أدرك، بالنظر إلى ما حدث، أنه كان ينبغي عليه الإفصاح صراحة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتاباته العامة والانتباه إلى القواعد التي تضعها الجهات الناشرة بشأن استخدام هذه الأدوات.
وأكد أن هذا سيكون نهجه مستقبلًا.
قضية تتجاوز شخصًا واحدًا
تفتح قضية سانتياغو شنيل نقاشًا أوسع بشأن مفهوم «التأليف» في عصر الذكاء الاصطناعي.
فأدوات مثل ChatGPT وغيرها أصبحت قادرة على إعادة الصياغة والتحرير وتحسين الأسلوب وتنظيم الأفكار، وهو ما يجعل الخط الفاصل بين «المساعدة في الكتابة» و«إنشاء النص» أكثر تعقيدًا.
وتزداد أهمية هذا السؤال داخل الجامعات والمؤسسات البحثية والصحف، حيث ترتبط الكتابة بمفاهيم الأصالة والمسؤولية الفكرية والإفصاح عن الأدوات المستخدمة.
والسؤال الذي تطرحه القضية لم يعد فقط: هل استُخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل أصبح: إلى أي مدى يمكن استخدامه قبل أن يصبح الإفصاح عنه ضروريًا، وما المعايير التي يجب تطبيقها بالتساوي على الطلاب والباحثين والمسؤولين الأكاديميين؟
وحتى الآن، تظل المراجعة التي أعلنتها كلية دارتموث أحدث خطوة رسمية في القضية، بينما يستمر النقاش حول الحدود المقبولة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة الأكاديمية والصحفية.
