بشرى النبي محمد في فتح روما آخر الزمان | Rome Civilization

Rome Civilization

روما أو حضارة روما العظيمة أو كما كانت تشتهر بين المسلمين؛ رومية، قد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان؛ فقال عنها: “إنها تقع شمالي وغربي القسطنطينيّة بينهما مسيرة خمسين يومًا أو أكثر.

وهي اليوم بيد الإفرنج، وملكها يقال له ملك ألمان، وبها يسكن البابا الذي تطيعه الفرنجية، وهو لهم بمنزلة الإمام”. وغالبًا إن المقصود برومية أو روما هذه مدينة روما الحديثة؛ عاصمة إيطاليا.

ولقد بشَّر النبي محمد بفتح روما والقسطنطينية، وتمت الإشارة لذلك في عدد من الأحاديث النبوية، فقد روي في مسند أحمد والحاكم وصححه والألباني، عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية ؟

فدعا عبد الله بصندوق له حلق قال فأخرج منه كتابًا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولًا قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولًا، يعني قسطنطينية”.

إلا أن فتح القسطنطينية الذي حدث على يد السلطان العثماني محمد الفاتح رحمه الله هو فتح بقتال، وقد بشر الرسول في الفتح الذي قصده في الحديث أنه سوف يكون فتحًا دون قتال، وهذا لم يحدث بعد.

هناك فتح آخر لروما

وقد قال الشيخ أحمد شاكر: “فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث سوف يكون في مستقبل قريب أو بعيد يعلمه الله عز وجل، وهو الفتح الصحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان تمهيدًا للفتح الأعظم.

ثم هي خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدت الكفار أعداء الإسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها إن شاء الله كما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وقد روي عن مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي محمد قال: “سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم.

قالوا لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها -قال ثور وهو أحد رواة الحديث- لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون”.

بشارة النبي محمد إلى فتح روما

لقد ذكرت بعض الأحاديث النبوية الشريفة بشارة الرسول النبي محمد عن فتح روما الذي سيأتي بعد فتح القسطنطينية، لذا حاول الكثير من الخلفاء والأمراء والملوك فتحهما؛ حتى تقع البشرى بين أيديهم ويكونوا قد فازوا بمثل هذا الشرف العظيم.

وقد ذكر في الأحاديث النبوية كما وضحنا في السطور القليلة الماضية أنه حين سئل رسول الله النبي محمد عن أي المدينتين تفتح أولًا؛ القسطنطينية أم رومية؟ فأجاب أن قسطنطينية تفتح أولًا.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: “فتح القسطنطينية مع قيام الساعة”، وهذا يعني أن فتح القسطنطينية الذي سيسبق فتح روما لم يحدث بعد، وأن الفتح العظيم الذي حدث في عهد محمد الفاتح ليس هو الفتح المذكور في حديث النبي محمد.

وقد قال ابن كثير:” إنها فتحت في زمن الصحابة! وفي هذا نظر؛ فإن معاوية -رضي الله عنه- بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ولكن لم يتفق فتحها، وحاصرها مسلمة بن عبد الملك بن مروان في زمان دولتهم، ولم تفتح أيضًا، ولكن صالحهم على بناء مسجد بها”.

وقد تحدث النبي محمد عن القتال الذي سيدور بين المسلمين يقودهم شخص يحمل نفس اسمه؛ وهو المهدي، ويغزون بلاد الروم ويفتحون رومية؛ التي تعرف الآن بروما، كما تفتح القسطنطينية، وتحدث أيضًا عن غزو الروم للبلاد الإسلامية؛ الشام، حيث يدور بينهم وبين المسلمين قتال شديد يسقط فيه الكثير من الشهداء الذين هم من خيرة أهل الأرض حينها.

فقد قال النبي محمد: “يحبس الروم على من عترتى اسمه يواطئ اسمى، فيقبلون بمكان يقال له العماق، فيقتتلون، فيقتل من المسلمين الثلث أو نحو ذلك، ثم يقتتلون يومًا آخر، فيقتل من المسلمون نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الثالث فيكون على الروم، فلا يزالون حتى يفتحوا القسطنطينية فبينما هم يقتسمون بالأترسة إذا أتاهم صارخ أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم”.

كثرة سكان الروم الآن

لا يوجد تعارض بين أحاديث البشارة عن فتح روما وبين كثرة الروم الآن. فعن موسى بن علي عن أبيه قال: قال المستورد القرشي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تقوم الساعة والروم أكثر الناس”، وعليه فإن كثرة الروم

الآن لا تمنع على الإطلاق من فتح بلادهم، إذ استطاع الصحابة أن يفتحوا حصونهم ومعاقلهم من قبل، وكانت أعدادهم حينها أضعاف المسلمين.

وقد نصر الله المجاهدين في سبيله ومكنهم من فتح بلادهم، بل إنه لمن المحتمل أن يسلم هؤلاء الروم ويشاركوا في الفتوح الإسلامية لروما وغيرها، وهذا ما تكلم عنه ابن كثير في كتابه “النهاية في الفتن والملاحم”، فقال: “وهذا يدل على أن الروم يسلمون في آخر الزمان.

ولعل فتح القسطنطينية يكون على يدي طائفة منهم كما نطق به الحديث المتقدم أنه يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، والروم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.

فمنهم أولاد عم بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق، فالروم يكونون في آخر الزمان خيرًا من بني إسرائيل، فإن الدجال يتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان فهم أنصار الدجال، وهؤلاء -أعني الروم- قد مدحوا في هذا الحديث فلعلهم يسلمون على يدي المسيح ابن مريم”.

محاولات فتح روما

يعلم كل مطلعي التاريخ الإسلامي عن محاولات فتح القسطنطينية بكل تأكيد، بداية من عهد بني أمية، ثم بني العباس، وأخيرًا العثمانيون، الذين حاولوا مرارًا وتكرارًا فتحها وحصارها وفتح المدن والحصون المحيطة بها، إلى أن تمكن السلطان محمد الثاني ابن السلطان مراد الثاني بأن يحظى بهذا الشرف العظيم ويتمكن من فتحها.

حتى أنه صار يلقب باسم محمد الفاتح من وقتها، لكن محاولات فتح روما لا يعرف عنها الكثير من الباحثين والمطلعين على التاريخ الإسلامي، لذا حري بنا أن نتعرف على محاولات فتحها علها تكون سببًا في إيقاظ همم المسلمين وشد عزائمهم وإصلاح مشاعر الهزيمة التي حلت بنفوسهم ومداواتها.

دولة الأغالبة وغزو روما

قامت دولة الأغالبة في إفريقيا عام 184 هجرية الموافق 800م، وكان سبب نشأتها في الأساس ما حل بالبلاد من اضطراب وفوضى وصراعات مذهبية وثورات العرب والبربر بداية من فترة خلافة هشام بن عبد الملك؛ الذي حكم بين 105 هجرية و 125 هجرية الموافق 724م إلى 743م, حتى نهاية الدولة الأموية وسقوطها عام 132 هجرية الموافق 750م.

على كلِّ حال قامت دولة الأغالبة، وكانت من الدول الإسلامية التي حاولت فتح روما، في عهد الأمير أبي العباس محمد بن أبي عقال الأغلب السعدي؛ رابع أمراء الأغالبة الذي حكم بين 226 هجرية حتى 242 هجرية.

حيث قامت دولة الأغالبة بحملة على روما وتمكنت من دخولها بالفعل في شهر صفر عام 232 هجرية الموافق شهر أغسطس عام 846م، لذا أسرع البابا بطلب المساعدة البحرية من حلف مدن كمبانيا.

فأرسلوا أسطولًا لحماية الشواطئ البابوية بالفعل، إلا أن العاصفة قد حطمت السفن الإسلامية بالقرب من أوسيتا ولم تتمكن من التقدم، وعليه لم يعد لتلك المساعدة أية أهمية.

وقد ذكر المسيو رينو أن المسلمين حين غزوا روما وقتها؛ عام 846م، صعدوا في نهر الطيبر أو التيبر أو التيفر؛ وهو ثاني أطول نهر في إيطاليا، يصل طوله إلى 405 كم مربع، ويعبر بمدينة روما في نهايته قبل أن يصب في البحر الأبيض المتوسط بمنطقة أوستيا.

وكان هذا النهر من أهم وسائل التجارة في العصور الرومانية، ويقول رينو إن المسلمين غزوا هذه المنطقة ونهبوا ما في كنائس القديسين بطرس وبولس، ثم غزوا جنوى في نفس العام وعطلوا سدودها ما اضطر القديسين والرهبان أن يحملوا أسلحة.

وكما نلاحظ أن المستشرقين يحاولون دائمًا اختيار مثل هذه الألفاظ  لإضفاء طابع اللصوصية على المسلمين، ووصفهم بأنهم قطاع طرق، على الرغم من أنهم يستخدمون لفظ الاستعمار (أي عمران الأرض وإصلاحها) حين يصفون نهبهم لثروات المسلمين،

وبالطبع اللفظ الصحيح هنا بعد فتح المسلمين لهذه البلاد هو أخذ الغنائم؛ وهو وصف شرعي لما يغنمه المسلمون بعد غزو بلاد الكفار.

وفي العموم فقد قال هنري بيرين وديفز إن المسلمين استطاعوا حصار قلعة القديس آنج وميناء أوستيا، والواضح من كلامهما أن هذا كان قريبًا من المدينة البابوية بروما.

غزو سيفيتة فكشيا القريبة من روما

يقال إن المسلمون غزوا سواحل سيفيتة فكشيا بالقرب من روما قبل التاريخ المذكور في الأعلى بفترة، حيث ذكر المسيو رينو أن المسلمين لما دخلوا إلى كورسيكة عام 198 هجرية الموافق 813م.

أرسل لهم كونت أمبورياس قوة بحرية بالقرب من مدينة برينيان وهم في طريق العودة، فاستطاعت الاستيلاء على ثمانية مراكب مسلمة فيها أكثر من 500 أسير مسلم، لذا رد المسلمون على هذا باجتياح سواحل نيس وبروفنس وسيفيتة فكشيا بالقرب من روما.

وأغلب الظن أن غزو المسلمين لهذه السواحل كان بعد فترة قصيرة من التاريخ المذكور؛ 813م، لأن رينو قد رتب الأحداث بتتابع الردود بين المسلمين والنصارى.

إلا أن أرشيبالد لويس قد ذكر أحداثًا أخرى تمامًا، حيث ربط بين غزو المسلمين للمدن الساحلية المذكورة وبين الهجوم على روما الذي حدث عام 846م، حيث تمكن المسلمون -على حد قوله- من الدخول للأراضي البابوية، ونزلوا لسواحل شيفيتا فكيا ونوفا أوستيا وهزموا الحاميات الموجودة فيهم، وتمكنوا من غزو ضواحي روما نفسها.

وقد علق شكيب أرسلان على غزو المسلمين لسواحل نيس وبروفنس وسيفيتة فكشيا بالقرب روما، والذي نقله عن المسيو رينو قائلًا: “الذي عَرَفْتُه في روما من روايات بعض أُدَباء الطليان، والمُطَّلِعِيْن منهم على التواريخ، أنَّه يوجد على مسافة أربعين كيلو متر من رومة قرية.

يُقال لها: سراسينشكو، أصل أهلها من المسلمين، كان سَلَفُهم غُزاة، وَقَعوا إلى تلك الأرض، وأحاط بهم الأهالي، فقتلوا جانبًا، واسْتَسْلَم لهم الباقون، وتَنَصَّروا، وعَمَروا تلك القرية.

ويُقال: إن سَحَنَهم لا تزال تدل على أصلهم العربي، وأن مآكلهم، ومشاربهم، وصَنْعَة الغِناء عندهم تدل على عُروبتهم، وحتى هذا اليوم تَراني أَتَرَقَّب الفُرصة؛ لمـُشاهدة تلك القرية، والتَنْقيب عن صِحَّة ما سمعته”.

وبالطبع لا يمكن أن يشك عاقل أن هذا التنصر لو كان صحيحًا كما يقال، فإنه وقع تحت الإكراه، وفي هذا رخصة للمسلمين، ولا يعقل أن يقع مجاهد في الأسر فيتخلى مباشرة عن دينه، إلا على سبيل التقية والمداراة.

ولا ننسى بالطبع ما كان يفعله النصارى مع مسلمي الأندلس لكي يجبروهم على التنصر والدخول للكاثوليكية، ولا شك أن بقاء الأجيال واحدًا تلو الآخر تحت حكم الكفار وعجزهم عن الهجرة إلى ديارهم يئول لظهور أجيال تتأقلم مع أوضاع البلاد التي نشأت فيها، وتختفي رويدًا رويدًا حالة الإكراه، ويصير النسل نصرانيًا بحق مع تعاقب الأجيال.

غزو المسلمين إلى أملاك البابوية

عانت الأملاك البابوية بسبب قوة المسلمين وزيادة الضغط الذي مارسوه عليهم على الشاطئ الغربي إلى إيطاليا؛ المطل على البحر التيراني، بين عامي 254 هجرية الموافق 868م و 258 هجرية الموافق 872م، حين غزوا مدينتي جايتا وسالرنو.

لذا أرسل البابا حنا الثامن رسالة إلى ملك الفرنجة شارل الثاني والإمبراطورية البيزنطية ومدن أمالفي ونابولي يطلب منهم الدعم والحماية.

لكنه لم يتلقَ مساعدات كبيرة، لأن الدولة القسطنطينية لم تحب فكرة تقرب البابا من الفرنجة الكارولنجيين من ناحية، ولأنها كانت منشغلة بأمر صقلية وممتلكاتها في الشرق من ناحية أخرى، كما أن الملك شارل لم يكن لديه أسطول أصلًا ليرسله، وحلف مدن كمبانيا لم يحبذ فكرة معاداة المسلمين الذين كانوا أصدقاءه حينئذ.

لذا تخلى الجميع تقريبًا عن بابا روما في هذا الوقت، واضطر البابا لكي تعود السكينة إلى بلاده أن يدفع الجزية للمسلمين، والتي كان قدرها خمس وعشرين ألف قطعة فضية.

Rome Civilization

محاولة الدولة العثمانية فتح روما

بعد أن نجح العثمانيون في عهد السلطان محمد الفاتح في فتح مدينة أوترانتو الإيطالية في شهر أغسطس عام 1480م الموافق 885 هجرية، قرر السلطان الراحل -رحمه الله- أن يكمل فتح إيطاليا، حتى قيل إنه أقسم أن يربط حصانه في كنيسة القديس بطرس بروما، لكنه توفي فجأة في شهر مايو من العام التالي.

وهذا يعني أن جيوش محمد الفاتح كانت على أعتاب إيطاليا, لذا قال المؤرخ والمستشرق البريطاني “ستانلي لين بول عن وفاة الفاتح: “إن موت محمد الفاتح أنقذ أوروبا؛ لأن الدور بعد أوترانتو كان على روما نفسها”.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا أراد محمد الفاتح السيطرة على إيطاليا وروما عاصمة البابوية، وهل كانت هناك أسباب سياسية اضطرته لإطلاق حملة عسكرية ضخمة لإيطاليا، وما كان مصير هذه الحملة بعد خروجها عام 1481م باتجاه إيطاليا وروما؟

جمهورية البندقية

تمددت الدولة العثمانية واتسعت أراضيها منذ نشأتها حتى سقوطها، فكانت تمتد من غرب الأناضول إلى بورصة وصولًا إلى أدرنة في البلقان الشمالي، لهذا أصبحت الدولة البيزنطية التي كان يتركز وجودها داخل القسطنطينية واقعة بين شقي الرحى مثلما يقال.

إذ كانت بين فكي العثمانيين من الشرق والغرب، وطوال عصور السلاطين منذ عصر محمد الأول حتى محمد الفاتح كانت هناك محاولات لفتح القسطنطينية، حتى تمكن الأخير في نهاية المطاف من فتحها في شهر مايو عام 1453م.

ومنذ فتحها والقسطنطينية مركز وقاعدة للعمليات العسكرية التي تقوم بها الدولة العثمانية في الشرق والغرب، حتى أنها سهلت على العثمانيين مد سيطرتهم وسيادتهم إلى شواطئ البحر الأسود الشمالي وكييف عاصمة أوكرانيا.

والبوسنة والهرسك، والمجر واليونان وألبانيا، وسواحل البحر الأدرياتيكي الشرقية وشرقي البحر الأبيض المتوسط، وكان المنافس القوي للعثمانيين في هذا الميدان هم البنادقة.

كانت جمهورية البندقية تشمل مناطق واسعة من شمال شرق إيطاليا، وكانت هذه المناطق من أقوى الدول البحرية في فترة العصور الوسطى، حيث كان هناك 17 ألف عامل يعملون في ترسانتها البحرية، بالإضافة إلى 25 ألف بحار، و 3 آلاف سفينة تجارية و 300 سفينة حربية.

وكانت البندقية مداومة على بناء 45 سفينة كل عام، كما كانت من المناطق الغنية جدًا بفضل سيطرتها على التجارة البحرية وإنتاجها للحرير والصوف.

وقد دخلت البندقية في صراع مستمر مع العثمانيين منذ القدم، من قبل سقوط القسطنطينية، حيث كانت تمد الحملات الصليبية بالمال والرجال، حتى أنها ساعدت البيزنطيين أثناء حصار السلطان الفاتح للقسطنطينية، لكن بعد سقوط الأخيرة في يد العثمانيين اتخذت البندقية أسلوبًا آخر في التعامل.

وبدأت تتبع سياسة دبلوماسية ظاهريًا، حيث وقعت مع الفاتح اتفاقًا تجاريًا ودبلوماسيًا عام 1454م، لكن في الواقع كانت تدعم الأمير الإسكندر بك الألباني؛ أمير ألبانيا في الخفاء، وهو الذي كان يقاتل بجانب صفوف العثمانيين ثم هرب وانقلب عليهم وتنصر مرة أخرى بعد أن كان مسلمًا، وظل يقاوم العثمانيين لسنوات عديدة، لذا كانت البندقية تمده بالمال والرجال.

ومن جانب آخر كانت تحرض الأمير أوزون حسن التركماني حاكم تركمان شرق الأناضول ضد الدولة العثمانية، وتساعده بكل ما يحتاج، وحين اكتشف العثمانيون حقيقة تحركات البندقية ضدهم في الخفاء واتباعها لهذه السياسة الخطرة معهم، فقد وقعوا معهم في صدام مجددًا بدأ منذ 1463م واستمر لمدة ستة عشر عامًا.

وكان خطة السلطان محمد الفاتح هي حصار البندقية وكل مستعمراتها التجارية والاستعمارية في اليونان والبلقان وبحر إيجة، ودخل معهم في سلسلة من المعارك استطاع بفضلها الحصول على نجربون أو أغريبوز؛ أهم ثغر بندقي على الإطلاق،

ومن ثم استطاع العثمانيون دخول ثغور البنادقة المطلة على بحر إيجة والبحر الأدرياتيكي واحدًا تلو الآخر، وبحلول عام 1478م استطاع السلطان محمد الفاتح حصار مدينة إشقودرة على الشاطئ الشرقي للبحر الأدرياتيكي، وهنا بدأت قوى البندقية تنهار.

لذا قبلت بتوقيع صلح مهين لها عام 1479م، حيث تخلت بموجبه عن أراضي نجربون وأرغوس وأشقودرة بشكل رسمي لصالح الدولة العثمانية، كما قبلت بدفع عشرة آلاف دوقة ذهبية كل عام ضريبة على تجارتها في أراضي الدولة العثمانية.

وبهذا انتهت الحرب بين العثمانيين والبنادقة، بعد حصول العثمانيين على مناطق شمال ألبانيا، وإضعافهم لقوة البنادقة البحرية، وقد زادت قوة العثمانيين وزاد نفوذهم البحري والسياسي والعسكري على البحر الأدرياتيكي بالكامل.

وبدأ السلطان محمد الفاتح بالتفكير بشكل جدي في غزو إيطاليا وفتح روما، حتى يصبح السلطان المسلم الذي استطاع السيطرة على القسطنطينية وروما معًا.

تفكير محمد الفاتح غزو روما

يقول المؤرخ التركي يلماز أوزتونا أنه كان واحدًا من بين أحلام وأهداف الفاتح أن يكون إمبراطورًا على روما موحدة؛ أي الدولة الرومانية الشرقية بعاصمتها القسطنطينية والدولة الرومانية الغربية بعاصمتها روما، ومنذ عام 1453م بدأ يعرف باسم قيصر روم (أي إمبراطور روما الشرقية).

لكن لكي يكون إمبراطورًا على روما كلها ويوحد الإمبراطوريتين الرومانيتين في أوروبا يجب عليه فتح إيطاليا وروما أولًا، ويؤكد المؤرخ التركي شرف الدين طوران في دراسته التي تحمل اسم “حملات الفاتح إلى إيطاليا”، أن الفاتح منذ أن كان وليًا للعهد وهو يتابع أخبار الدول الإيطالية على المستوى السياسي والعسكري والاستخباراتي.

وقد كان هناك جواسيس إيطاليون يمدونه بالمعلومات بعد أن أعلنوا ولاءهم له، وقد لاحظ محمد الفاتح حينها حجم الخلافات الكبيرة والتنافس الاقتصادي والتجاري بين الممالك الإيطالية وجمهورياتها، ولأن الفاتح يعلم الأهمية الدينية والسياسية لإيطاليا، فقد وضع نصب عينه ضرورة فتح روما.

ولهذا حين استطاع محمد الفاتح السيطرة على جمهورية البندقية وجعلها ضعيفة وواهية دبلوماسيًا وتجاريًا، وبعدما استولى على ثغورها في شرق البحر المتوسط وبحر إيجة والبحر الأدرياتيكي، بدأ يتطلع بشدة للسيطرة على روما.

وكانت خطته تتمثل في الهجوم المباشر على السواحل الإيطالية من ناحية الجنوب، لا سيما مملكة نابولي التابعة لها جزيرة صقلية؛ وكان كلاهما يخضعان لنفوذ مملكة أرغون شمالي إسبانيا، بينما كان وسط إيطاليا الذي يقع بين البندقية من الشمال ونابولي من الجنوب؛ خاضعًا لسلطة البابوية.

ولهذا أراد محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية أن يسيطر على روما، لأنه إن تمكن من ذلك يكون قد هدم قوة العالم المسيحي شرقًا وغربًا، ولهذا بدأ بوضع خطة بالتعاون مع كبار قادته،

وأمر بتعيين كديك أحمد باشا كقائد سياسي وعسكري، وكانت خطة الانطلاق تتلخص في السيطرة على ثلاث جزر واقعة بين إيطاليا وسواحل البلقان في البحر الأدرياتيكي؛ وهم زانتا أو زاكينتوس وكفالونيا وإثاكا، كي لا تكون هذه الجزر عائقًا بين العثمانيين في البلقان والبحر الأدرياتيكي وبين المناطق المستهدفة في جنوبي إيطاليا.

وبالفعل استطاع محمد الفاتح السيطرة على هذه الجزر الثلاث عام 1479م، وبحلول شهر يوليو عام 1480م انطلقت حملة بحرية عثمانية مكونة من 40 سفينة حربية ضخمة و 52 سفينة متوسطة و 40 سفينة إمداد وتموين؛ من سواحل البلقان الجنوبية المطلة على البحر الأدرياتيكي.

وقد أصدر السلطان محمد قرارًا حينها بجعل ولاية كيفالونيا ولاية مستقلة، مع تعيين رئيس الحملة كدك أحمد باشا واليًا عليها، وعلى كل ما سيفتح في إيطاليا بعد ذلك.

إختفى حلم فتح روما

في الثامن والعشرين من يوليو عام 1480م استطاع كديك باشا إنزال قواته؛ 18 ألف من المشاة، و 1000 من الخيالة، وعدد كبير من المدافع، بالقرب من قلعة أوترانتو في ولاية أبوليا الإيطالية، وعلى الرغم من أن أسطول البندقية كان راسيًا في قاعدة كورفو القريبة.

لكنه لم يستطع التدخل بسبب معاهدة 1479م التي كانت بين البندقية والدولة العثمانية، لهذا استسلمت قلعة أوترانتو بعد حصار دام أسبوعين فقط، حيث فقدت حينها 12 ألف من جنودها من أصل 22 ألف من الحامية.

بعدها قسم كديك باشا جيشه لفريقين، انطلق أحدهما ناحية الشمال الشرقي باتجاه برنديزي، والآخر ناحية الشمال الغربي باتجاه أوترانتو، ولهذا أرسل ملك نابولي حملة عسكرية لمساعدة الإيطاليين، مكونة من 20 ألف مقاتل.

واصطدمت هذه الحملة بالقوات العثمانية واشتبكوا معهم، لكنهم لم ينجحوا في هزيمتهم ففروا هاربين إلى نابولي مرة أخرى، وبهذا استطاع العثمانيون السيطرة على الجنوب الإيطالي بالكامل في خريف نفس العام.

قرر كديك باشا بعدها العودة وترك وراءه قوة عسكرية مكونة من 8 آلاف جندي عثماني في جنوب إيطاليا؛ في قلعة أوترانتو، بقيادة خير الدين مصطفى بك، وذلك بعد أن وصلته رسالة من السلطان تأمره بأن ينتظره في الربيع القادم لينطلقا باتجاه روما وشمال إيطاليا لإكمال عملية الفتح.

وبالفعل في الخامس والعشرين من شهر أبريل من العام التالي اجتاز السلطان الفاتح مضيق البوسفور متجهًا إلى روما، ووصل إلى منطقة أسكدار، وبقي فيها يستعد لإطلاق حملة كبيرة لإكمال فتوحاته على إيطاليا.

لكن أصابته نوبة مرض فجائية من النوبات التي كان يصاب بها باستمرار؛ إذ كان مصابًا بمرض النقرس الذي لم يكن له حينها علاج، وتوفي مباشرة بعد أيام قليلة في الثالث من مايو عام 1481م الموافق الرابع من ربيع الأول عام 886 هجرية.

وحين وصل الخبر للغرب عمت الأفراح، وقال المؤرخ والمستشرق الإنجليزي ستانلي لين بول: “إن موت محمد الفاتح أنقذ أوربا، لأن الدور بعد أوترانتو كان على روما نفسها”.

وبعد وفاة السلطان محمد الفاتح استغل الأمراء الإيطاليون الأمر وحاصروا الحامية العثمانية في جنوب إيطاليا، وبعد مقاومة استمرت لمدة 6 أشهر اضطرت الحامية العثمانية للاستسلام إلى ملك نابولي؛ بعد أن نفد منهم الماء والطعام، وبهذا ضاعت وإختفت حلم فتح روما بعد أن كان على وشك أن يتحقق.

المصدر: موقع تبيان / الكاتبة: سارة سعد

2 thoughts on “بشرى النبي محمد في فتح روما آخر الزمان | Rome Civilization”

Add a Comment